??ɠ???
علي الكردي
على هامش احتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية 2009 الرحلات الأليمة في حياة أبو حليمة عرض «مونودرامي» بامتياز!  

سبق وأن كتبنا في «الهدف» عن المونودراما المسرحية «الرحلات الأليمة.. في حياة أبو حليمة»، إبان عرضها الأول في دمشق في شهر نيسان الماضي 2009، لكن لا بأس من تناولها مرةً أخرى من منظور مختلف طالما أنها عُرضت للمرة الثانية مؤخراً في إطار مهرجان القدس المسرحي على خشبة القباني، وكذلك أمام جمهور واسع في المركز الثقافي العربي في مخيم اليرموك بدمشق.

تطرح عروض «المونودراما» عموماً إشكالية الممثل – الفرد الذي يتوجب عليه أن يملأ فضاء المسرح، بوصفه ممثلاً متوحداً على الخشبة. إنها محنة حقيقية، ومهمة صعبة تحمّل الممثل مسؤولية كبيرة أمام جمهوره الذي جاء لكي يستمتع بالعرض المسرحي، ويتواصل معه.

يقول كيت جونستون: «بوسعك أن تشاهد ممثلاً رائعاً في الصف الخلفي لمسرح كبير، ولا يمثل وجهه إلاّ بقعة ضئيلة على الشبكية، فتتوهّم أنك رأيت كل تعبير دقيق. مثل هذا الممثل يمكنه أن يجعل القناع الخشبي يبتسم، وشفتاه المقوستان ترتعدان، وحاجباه المرسومان يضيقان».

إذاً هي الجاذبية وقوة الموهبة اللتان تحدّدان وصول هذا الممثل إلى الجمهور دون غيره، وكما في الشخصية «الكاريزمية» التي تحقق وجودها عن طريق إخضاع الكلّ لها، بحيث تصبح وظائف الأفراد تحت تصرفها في التلقي والاستقبال.. هكذا هي مهمة الممثل الواحد في عروض «المونودراما».

لا شك أن الفنان الفلسطيني إسماعيل دبّاغ، ابن فرقة الرواد القادمة من رام الله يمتلك مثل هذه «الكاريزما» التي تحدثنا عنها، وإلاّ كيف له أن يستحوذ على انتباه ومشاعر الجمهور على مدار العرض الذي استغرق أكثر من ساعةٍ دون أن يتسرّب الملل إلى المتلقي، لا سيما وأن العرض فقير على صعيد الديكور والاكسسوارات والأغراض التي اقتصرت على مقعد خشبي صغير وحقيبة تحتوي على بدلة عسكرية، وحذاء عسكري.

حينما يتجاوز الفنان إسماعيل دبّاغ محنة «الوحدانية على المسرح»، بالسيطرة على جمهوره، وشدّ انتباهه، فهذا يعني نجاحاً باهراً لا يستطيع الوصول إليه إلاّ قلّة قليلة من ممثّلي المسرح العربي، ممن لديهم القدرة على تولّي مسؤولية التورط في عروض «المونودراما» نظراً لصعوبتها الفائقة.

تتطلّب عروض «المونودراما» من الممثل – المنفرد التمكّن من أدواته الجسدية والتعبيرية والحركية والصوتية، إضافةً إلى تلك الجاذبية وقوة الموهبة باعتبارها مكونات «الكاريزما»، والحضور الآخاذ للممثل فوق خشبة المسرح.

ندخل المسرح أحياناً لمشاهدة بعض العروض المسرحية، فنخرج بخيبة أمل كبيرة، والسبب أن بعض الممثلين لا يمتلكون من الأدوات أكثر من موهبة «السير والحوار والبكاء» وهي غالباً ما تكون أقصى غايات الإبداع لديهم، لكن هذه العناصر قاصرة عن تقديم عرض فني متكامل، لا سيما في مسرحيات «المونودراما» التي لخّصها المسرحي المغربي عبد الكريم برشيد بالقول: «إنها المسرح الذي يقوم بالأساس على ممثل واحد، وهذا الممثل لا يمتلك إلا خياله وعواطفه وذاكرته وجسده». تنسحب هذه المسألة أيضاً على المسرحيات التي تحتوي «مونولوجات» طويلة تستدعي استذكاراً لمعلومات ترتبط مباشرة بالإثارة الانفعالية، أو «بالذاكرة الانفعالية» كما يقول ستانسلافسكي، كما هو الحال في مسرحيات شكسبير التي تمتاز بالعنف والتناقضات الحادة والقسوة،  وترتبط دائماً بـ«الموت»، أو «الجنون»، وهي لا تخلو من تعذيب للذات في حالات القهر القصوى عندما تكون بديلاً عن «الموت»، أو «الجنون»، ولعل هذا ما شاهدناه إلى هذا الحد أو ذاك في مأساة «أبو حليمة ورحلاته الأليمة» مع حكايات البؤس والفقر واللجوء والإذلال والفساد.. بل القهر بكل أشكاله الذي يصبح الموت معه حالة من حالات الخلاص الفردي، وإن يكن على المستوى الجمعي هو مسألة مرفوضة، لأنه يعني نظرة عدمية لحالة صراعية مديدة يعيشها الشعب الفلسطيني على المستوى الوجودي والإنساني في مواجهة عدو من طراز خاص استيطاني.. إحلالي.

تحدّد بعض الدراسات المسرحية التغيرات الضرورية في التأثير على الموقف التجريبي لدراسة العلاقات بالذاكرة الانفعالية ومن أهم تلك المتغيرات: نوع الإثارة، أو التنبّه، ونوع الحدث، أو الواقعة، ومستوى النشاط، والفاصل الزمني بين الحدث والتذكر، ونوع المعلومات. مثل هذا التحديد يوضح لنا أن فن «المونودراما» هو فن سبر أغوار النفس البشرية، والدخول في مناقشات عقلية لكثير من الهموم بالاستناد إلى تحديد نوع «المثير» الذي يُحرّك المشاعر، وكذلك نوع «الحدث»، وهل هو حدث انفعالي خاص أم هو حيادي عام؟!

إذا حاولنا تطبيق تلك المحدّدات «المثيرة» على عرض «أبو حليمة» بسخريته السوداء الموغلة بتهكمها نجد منذ افتتاحية المسرحية بذلك الخبر الإذاعي المثير بصورته الساخرة المقلوبة أننا أمام إشارات دالّة تحرّك أوجاعاً مزمنة في دواخلنا. يقول الخبر الساخر: «أطلقت عصابات الإرهاب الصهيونية صواريخها (شاس1، شاس2، شاس3) على البلدات الفلسطينية، فيما قامت الدبابات الفلسطينية بالرد عليها، وتدخل في هذه المعركة طائرات الأباتشي المصرية، واستخدمت في الهجوم صواريخ «لاو» السودانية.. إلخ»، ونظراً للمفارقة اللاذعة بين الخبر والواقع القائم، نشعر حقاً كجمهور بهذه الإثارة الجاذبة للانتباه، لما لها من أثر عميق في الذاكرة الجمعية الانفعالية الفلسطينية والعربية التي عانت وما تزال الأمرين من موروث الهزائم، والتمزّق العربي والفلسطيني، ومن آلة الموت الجهنمية الصهيونية التي ارتكبت المجازر المروّعة على مدى الصراع المفتوح بين الطرفين.

من جهةٍ أخرى يتمحور الحدث، أو الأحداث التي يبدأ أبو حليمة بسردها حول رواية النكبة الفلسطينية وآثارها على الشخصية من خلال حادثة الحذاء الذي لم ينتعله يوماً، مروراً بكل الأحداث الأخرى التي يسردها التي تحيل إلى حالات الفقر، والحرمان, والإذلال.. التي عانى منها اللاجئ الفلسطيني.

صحيح أن زمن النكبة كحدث مركزي هو زمن بعيد، لكن آثار هذا الحدث ما تزال ماثلة بأشكالها المختلفة، وتداعياتها الحية في الذاكرة الانفعالية سواء للممثل، أو للجمهور الذي يتفاعل مع الحدث أو الأحداث، وبالتالي يصبح زمن النص راهن ومتصل على الرغم من أن الأحداث والمعلومات التي يسردها أبو حليمة تعود إلى أكثر من نصف قرنٍ من عمر النكبة الفلسطينية.

إن المعلومات التي يسردها أبو حليمة هي رصد دقيق لتفاصيل يومية يعيشها الفلسطيني من خلال معاناته مع الاحتلال أو السلطة الفلسطينية وآليات فسادها، مروراً بكل الأحداث والنكسات الكبرى، والتحولات التي شهدها المجتمع الفلسطيني، وبالتالي نحن أمام قضايا مركزية، لا يمكن أن نكون حياديين حيالها، لأنها تمس وجود الإنسان الفلسطيني وحياته ومستقبله.

 
 

 

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½

2003-2007