عالم يتقدم نحو الماضي .. بأدوات قديمة
Share on Facebook
مياه كثيرة جرت في قنوات السياسة العالمية والإقليمية خلال الأشهر القليلة الماضية , امتزجت فيها الأوضاع والتطورات الداخلية بالقضايا والتوازنات الخارجية , ورغم ضبابية الصورة العامة لكثير من المواقف الراهنة , فإن وتيرة التفاعل بين مكوناتها ودينامياتها لاتشير إلى تحولات جذرية في أنماط التفاعل وإدارة العلاقات بين الأطراف الفاعلة .
وينطبق الأمر ذاته على مسارات محددة من التفاعلات والعلاقات العالمية والإقليمية ومن أبرزها العودة مجدداً إلى العقوبات الاقتصادية كأداة للتعامل مع إيران , فقد أثبتت كل التجارب الماضية من فرض العقوبات فشلاً ذريعاً بتحقيق أغراضها . وربما كان إدراك ذلك الوضع هو مادفع واشنطن والعواصم الأوروبية إلى تشديد العقوبات , وتوسيع نطاقها , بهدف زيادة تأثيرها , وبالتالي تحقيق الغرض المرجو منها , لكن المفارقة هنا تكمن في أن التطور أو التغيير اقتصر على المكونات والمفردات , ولم يمتد إلى المنهج , فبدلاً من تغيير منطق العقاب أو سياسة العقوبات , حيث أثبتت إخفاقها دائماً , كان البديل ليس الخروج من بوتقة ذلك المنهج وكسره , وإنما بالإمعان فيه , مع تعديل نوع أو شكل أو نطاق العقاب , وهو المنطق أو المنهج ذاته الذي اتّبع في الحالات الأخرى , فبدلاً من البحث عن أسلوب مغاير لمواجهة الصعود الصيني السلمي , وتغلغل بكين في مناطق مفصلية وحيوية من العالم , كان الخيار هو التخلي عن المنافسة الاقتصادية لصالح مايمكن وصفه بالخيار العسكري ,والحضور المادي المباشرفي نطاق المصالح الحيوية الصينية , أي بتفعيل نفس منطق الحصار والتطويق .. لذلك لن يكون مستغرباً أن تبادر الصين إلى تفعيل نشاطاتها العسكرية وأشكال وجودها الاستراتيجية , وربما في نقاط تمركز تدخل ضمن نطاق مصالح الولايات المتحدة الأمريكية أو الدول الغربية الأخرى , وهو مافعلته وتفعله روسيا الاتحادية بالفعل حالياً , فبعد أن كانت موسكو تتعامل في السنوات القليلة الماضية بدرجة عالية من المهادنة أمام التحركات الأمريكية القريبة منها , بالبعدين الجغرافي والسياسي مثال :" منظومة الدفاع الصاروخي في أوروبا " .جاء سلوك موسكو مغايراً تماماً في معالجتها للأزمة السورية .
مفاد تلك الملامح المترامية للصورة الكلية أن العالم يرتد عائداً إلى أنماط قديمة من التفاعل بين أطرافهاالأساسية , حتى وإن اتخذت تلك الأنماط أشكالاً أو أدوات تبدو جديدة , إلا أن التدقيق فيها يكشف عن محدودية الاختلاف , واقتصاره على مفردات وأدوات , دون امتداد إلى جوهر أو مضمون , وسواء كانت بداية ذلك المشهد من هذا الطرف أم ذاك , فإن النتيجة المباشرة بالفعل أن الأطراف الأخرى تقوم برد الفعل الطبيعي عبر اتباع النمط ذاته والأدوات ذاتها!.. ومايدعو إلى التأمل ويثير التساؤل أن تلك العودة إلى الماضي لاتعني افتقاداً للأدوات , ولانقصاً في الموارد والبدائل , فعندما يجري التعامل مع إخفاق بعض الأساليب , وتعثر حل بعض المشكلات , أو إدارة بعض التفاعلات , بإعادة إنتاج الأنماط والأساليب نفسها , بل أحياناً بالأدوات ذاتها , فلا معنى لذلك سوى افتقاد شديد للحلول الخلّاقة والأفكار الجديدة , الأمر الذي يدعو بالضرورة إلى القلق بشان المستقبل , مستقبل عالَم يفترض أنه ينعم بأعلى درجات التقدم والتطور التكنولوجي والابتكار . لذلك يدير شؤونه ويسيّر أموره من داخل ذات الصندوق لامن خارجه !!..
