"الشاهد" وثائقي ل"الجزيرة" في الذكرى الخامسة و الستين للنكبة "جذور يصعب اقتلاعها"
Share on Facebookعلي الكردي
لم أشاهد "الشاهد" من بدايته , وأسفت أشدّ الأسف لأنني خسرت جزءاً منه , إذ بينما كنت أقلّب القنوات التلفزيونية , استوقفتني عبارة " أحمد الشيخ" , وهو يرددها بصوته الرخيم كأنها ترنيمة صلاة : " إنه مشهد يفطر القلب" .
تسمّرت في مقعدي , و تدفق " الأدرينالين " في جسدي , مستفزّاً كل حواسي , ورحت أتابع بشغف متنبّه جولة الشاهد على القرى و البلدات و المدن الفلسطينية المحتلة , و تعليقاته اللماحة تختزن حزن الفلسطيني على امتداد أعوام نكبته الخمسة والستين .
"حق بأبى النسيان" ... هي ليست مجرد عبارة عابرة ...و ليست مجازاً لغوياً , بل هي آلام شعب , وذاكرة جماعية متوارثة من جيل إلى جيل , و حق لا يحق لأحدٍ التنازل عنه , مهما طغت قوى الشر , و فعلت فعلها في تزييف حقائق التاريخ و الجغرافيا.
تتجول الكاميرا , ومعها الشاهد أحمد الشيخ , ترصد جمال فلسطين بجبالها و وديانها الخضراء , وساحلها و بحرها اللازوردي , وذاكرتها الممتدة منذ أيام الفينيقيين , وكلما توقف أمام مشهد جميل لبقايا قرية فلسطينية غافية في حضن وادي , أو بلدة تشهد أطلال حجارة منازلها القديمة الشامخة على عراقة و جذور سكانها الاصليين , رغم محاولات إماتتها و محوها , قال عبارته المؤثرة : "إنه مشهد يفطر القلب " , و إذ ننظر إلى المشهد بعيونه , نشاركه أحاسيسه في تلك اللحظة الفارقة , و كأننا نتجول معه , وهو اللاجئ الذي اقتُلع من أرضه و بيته و حاكورة أهله , وعاد كمنفي ليسرد نكبة شعبه , والآلام التي أصابت الإنسان و الأرض و الهوية و الكيان الفلسطيني برمته.
أمام هذا الجمال المغتصب القريب منه , والبعيد عن حيازته لا يسعه إلا القول . " إنه مشهد يفطر القلب " فيالفداحة الخسران , لعلنا نحتاج إلى تحليل نظري نفسي – سياسي لمعاناة الإنسان الفلسطيني , لندرك معنى و دلالات تلك العبارة التي نطقها أحمد الشيخ , ربما عن وعي , أو لا وعي , ليس بوصفه مجرد معلّق على برنامج و ثائقي , و إنما كإنسان مقتلع من جذوره , أتاح له برنامجه, تلك العودة المؤقته , فراح يتجوّل محاولاً تفكيك و فهم مدى إدراك الإنسان الفلسطيني لتاريخه , وتصوره لذاته , عند فقدان بيته , وحيّزه , ومجاله , وفضائه المادي , الاجتماعي السياسي و النفسي ,والتعمق بالمعاني التي يمثلها هذا الاقتلاع عبر فقدان مصادر الدعم و الحماية و الاحتضان للإنسان الفلسطيني , ليس فقط المنفي خارج وطنه , بل أيضاً لذلك المنفي في داخله.
ربما تضمر عبارة " مشهد يفطر القلب" الشعور المضني و الملتبس و المتراكم في نفسية الانسان الفلسطيني عبر سنوات النكبة الطويلة المستمرة ,إذ أن اقتلاع الشعب الفلسطيني و شتاته بعد النكبة , أثّرا تأثيراً كبيراً في إمكانيات كفاحه , و مقاومته , فالقوى الكولونيالية , إلى جانب عملها على استعمار الأرض و تهجير سكانها الأصليين , حاولت تدمير أسس بناء الذات الإنسانية الفلسطينية , وهذا الأمر هو الأخطر في المشروع الكولونيالي , لأنه انعكس – كما يقول الباحث بشارة دوماني- أولاً في محاولة إلغاء الإنسان الفلسطيني في جغرافيته, وانعكس ثانياً في محاولة ضرب الروابط الأسرية و الاجتماعية التي لطالما كانت الحاضن و الحامي لجماعة تتعرض للإقتلاع.
يحاول الوثائقي البرهنة على صحة هذا البعد العميق لسردية النفي و التهجير و مقاومته من قبل الإنسان الفلسطيني , من خلال شهادات بعض الفلسطينيين المنفيين في أرضهم , و من خلال شهادات بعض اليهود لإبراز السردية المضادة , ولعل حكاية الفلاح الفلسطيني محمد الصالح من الامثلة النموذجية على مقاومة سردية النفي و التهجير , إذ رفض هذا الفلاح الفلسطيني الخروج من أرضه , وتشبث بالبقاء فيها , واستمر في فلاحة و زراعة أرضه على مدار ستين عاماً , رغم إحاطتها بالمستوطنات من كل جانب , بل أكثر من ذلك سُيّجت أرضه بالأسلاك الشائكة و بوابة حديدية تراقب كل من يدخل أو يخرج منها , رغم ذلك استمر الصالح حتى بلغ التسعين من عمره في مقاومة الاحتلال على طريقته , واليوم يحافظ أولاده و أحفاده الذين ولدوا داخل بيت بناه في أرضه على استكمال مسيرته , و مقاومة كل أشكال المضايقات و التعديات التي يواجهونها . إن رمزية هذه الحادثة , تكثف في دلالتها رمزية فلسطين كلها , في نفيها السردية الصهيونية بشأن رؤية فلسطين من دون الفلسطينيين وعبر اقتلاعهم , واستمرارية تشريدهم , وكأنهم مجردون من اي ارتباط ثقافي , اجتماعي , سياسي , أو مادي بها , ماضياً و حاضراً و مستقبلاُ.
تتنقل كاميرا " الشاهد" بين قرى و بلدات الجليل الغافية في أحضان الطبيعة الخلابة , وبلدات الساحل الفلسطيني و شطآنه , لتسرد حكاياتها , وحكايات من تبقوا من سكانها . تتوقف عند بعض الأضرحة ( ضريح الشهيد عز الدين القسام) , وبعض المقابر التي انتهك الاحتلال حرمتها .. وتتمهل عند بعض الجوامع التاريخية التي حولها المستوطنون إلى مطاعم و بارات , و عند تلك التي فشل الاحتلال في طمس آثارها , فبقيت شامخة تقاوم الهدم و الإلغاء , وفي بلدة " الطنطورة" الساحلية يذّكر " الشاهد" بالمجزرة التي اقترفها الصهاينة بحق السكان الفلسطينيين , لإرعاب و تهجير أبناء القرى و البلدات المجاورة عشية النكبة , تسعفه بعض صور الآرشيف , و شهادة من كان طفلاً و بقي حياً من أبناء البلدة , ليعيد سرد قصة المجزرة , و على ذكر المجازر المتنقلة عبرهذا التاريخ المديد , يعيد الفيلم سرد و قائع مجزرة جامع اللد , الذي جمع فيه الصهاينة المئات , ممن ارتكبوا بحقهم مجزرة وحشية حيث ظل الجامع مغلقاً لسنوات طويلة , تحتفظ جدرانه بآثار الدماء المسفوحة في جنباته, إلى أن سمحت سلطات الاحتلال في مطلع ثمانينات القرن الماضي بإعادة ترميمه ,وإشغاله كمكان للعبادة , بعد نضالات طويلة للحصول على هذا الحق البسيط.
إن عملية طمس المعالم , وتهويد الامكنة هي عملية منهجية مستمرة , قام و مايزال يقوم بها الاحتلال منذ سنوات النكبة الاولى , بل حتى قبل تلك الفترة و حينما قام الصهاينة تحت مظلة الانتداب البريطاني في بناء المستوطنات , وإجراء تغييرات عميقة في المستوى الديمغرافي , الإثني و السياسي لمصلحة المهاجرين اليهود و على حساب الفلسطينيين و سكان البلد الأصليين , ووصل الامر ليس إلى اقتلاع الشعب الفلسطيني من مكانه و تهجيره فحسب , بل إلى اقتلاعه و نفيه , وإنكار و جوده و تغييبه عن السرديات التاريخية ,وقد أصبح هذا التغييب المقصود جزءاً من إنتاج المعرفة عن "أحقية الشعب اليهودي بهذه الأرض التي لا شعب لها", و قد أسهم للأسف الضعف البنيوي الفلسطيني السياسي في عدم بلورة أشكال ملائمة لمواجهة هذا الاقتلاع , حيث تحول الشعب الفلسطيني إلى أفراد ,و تجمعات مشتتة .و مشرذمة , سواء تلك المجموعة التي بقيت في أرضها كأقلية , او تلك التي هُجرت خارج أرضها.
يشير " الوثائقي" إلى أمثلة عيانية , تعكس بشكلٍ أو بآخر الفكرة السابقة إذ ثمة بلدة ساحلية صغيرة , يعيش فيها بعض الصيادين الفلسطينيين و عائلاتهم .أمامهم البحر , مصدر رزقهم الوحيد , وشباكهم المهترئه و بعض " القوارب" الخشبية الصغيرة . هؤلاء باتوا يعيشون غرباء معزولين في أرضهم , تحاصرهم من كل صوب أبنية المهاجرين الجدد من روسيا و غيرها , وتضيق الخناق عليهم , حيث لا يسمح لهم بترميم منازلهم المتهالكة . يقول صياد لوحّت وجهه شمس البحر و ملوحته :نحن اصحاب هذه الارض . يأتي هؤلاء المستوطنون من روسيا و غيرها يزاحموننا على ملوحة البحر , نحن سنبقى هنا , وعليهم أن يعودوا من حيث أتوا . مثل هذا الإيمان العميق , لن يتحول إلى قوة فعل و مجابهة مؤثرة , ما لم ينتقل من مستوى الوعي الفردي إلى مستوى الوعي الجماعي , والمواجهة الجماعية المنسقة و المقتدرة المتمثلة في إحياء فلسطين , والصمود اليومي في المجال الخاص للفلسطينيين في حيّز البيت , والدار , والحاكورة,والأرض ,وإبداع أشكال المقاومة المختلفة لمواجهة المعاناة المستمرة جرّاء جرافات الاحتلال و مشروعها الكولونيالي .. و في هذا السياق يتجدد الامل لدى الفلسطينيين في بلورة هكذا وعي ,نجد أمثلة كثيرة عليه ,كما في إبداع بعض الناشطين لقرية "باب الشمس" و غيرها من تجارب تدلل على المقاومة اليومية , والصمود النفسي و العملي في الحفاظ على الصوت المطالب بالحق , و في الحفاظ على السردية التي تتناقل قصص النكبة الفردية و الجماعية . قصص أولئك الذين احتفظوا بمفاتيح البيت . و ورّثوه إلى ابنائئهم واحفادهم جيلاً بعد جيل.
قصة " يافا" وحدها في الواقع ,كما بالفيلم " تفطر القلب" , ولكنها مثال آخر ساطع يكثّف قصة فلسطين . يافا عروس الساحل , ومدينة البرتقال . هذه المدينة التي قدمت نموذجاً حياً لمعاني العصرنة و التمدن و العالمية في المجتمع الفلسطيني ما قبل سنة 1948.
هذه المدينة المزدهرة , التي بقيت ايام الانتداب مدينة عربية لا مختلطة , تعرضت إثر النكبة مع ألويتها إلى عملية تطهير عرقي , وجرى طرد اكثر من 97% من سكانها إلى خارج حدود الوطن , و من بقي من اهلها فرض عليهم الحكم العسكري عام 1948 العيش في منطقة مسورة في حي العجمي , وبعد أن كانت يافا مدينة مفعمة بالحياة , تحولت بفعل الهدم و الإهمال , والإفقار الممنهج إلى أحياء مهمشة و مهجورة , وكان كل هم سلطات الاحتلال محو تاريخ يافا , وإزالة المدينة القديمة و بعض مبانيها , بل محو الماضي , وأي دليل مادي على الذاكرة الجماعية الفلسطينية, لكن بيوت البلدة القديمة التي صورها الفيلم بعد أن تحولت إلى محلات و متاجر يشغلها اليهود , و جامع "المحمودية" الراسخ وسط يافا , كلها معالم تحتفظ بماضيها,و الأهم من ذلك كل المقابلات التي أجراها الشاهد مع اليافويين تشير إلى أن هناك فلسطين خفية و مشفرة , ترمز إلى تمسك أبناؤها بحق العودة , و ان الفلسطينيين في يافا وغيرها يواصلون سرد قصة فلسطين , الأمر الذي يؤكد حقيقة أن هذه الجذور يصعب اقتلاعها.
