الخرطوم حراك سياسي واتفاقيات تفتح الأبواب على العواصم
Share on Facebookموسى حسين جرادات
شهدت جمهورية السودان الشهر الماضي تطورات سياسية مهمة ومتعددة، سواء على الصعيد الداخلي أوعلى الصعيد الخارجي ، ففي الداخل أعلن الرئيس السوداني عمر البشير عفوا عاما عن السجناء السياسيين وعدد من العسكريين المتهمين بمحاولة انقلاب فاشلة منذ ثلاثة سنوات ، في مؤشر على إعادة الحيوية للحراك السياسي الداخلي ، والذي يراوح مكانه منذ سنوات ، أما على الصعيد الخارجي فهناك أكثر من حدث شهده السودان ، أبرزه زيارة الرئيس المصري محمد مرسي للخرطوم والتي وصفت بالتارخية ، حيث عمل الجانبيين على توقيع اتفاقيات إقتصادية بين الطرفين ،يرفع من خلالها البلدين حجم التبادل التجاري بينهما ، بالإضافة الى التعاون والتنسيق بينهما على الصعيد السياسي ، سيما أن هناك خطر داهم يواجه البلدين نتيجة لقيام جمهورية إثيوبيا بالبدء بإنشاء سد مائي على مجرى نهر النيل ، مما يؤثر سلبا على تدفق مياه النهر على كلا البلدين ،الأمر الذي سينعكس سلبا على الزراعة والبيئة في البلدين .
هذا الحدث لم يكن وحده قد تصدر المشهد السياسي على صعيد العلاقات الخارجية ، فقد نشرت وسائل الاعلام السودانية أنباء عن دعوة الكونجرس الأمريكي لأعضاء في الحزب الحاكم السوداني لإجراء حوار أمريكي – سوداني وعلى كافة المستويات ، على الرغم أن العلاقات بين البلدين متوترة منذ مدة وخاصة بعد أن وضع إسم البشير على لائحة المطلوبيين في محكمة الجنايات الدولية بصفته "مجرم حرب" ، في إشارة إلى أن الأدارة الأمريكية قد بدأت بإجراء تحولات بموقفها من حكومة البشير ، وربما الأيام القادمة تدلل على مدى تطور تلك العلاقات وتطورها بين البلدين ، إن زيارة مرسي ودعوة الادارة الأمريكية جاءت بالتزامن مع مؤتمر الدوحة لإحلال السلام في دارفور والذي قدم ضمانات دولية للطرفين المتنازعين ، الحكومة السودانية من جهة والفصائل المتمردة في دارفور من جهة أخرى، بالاضافة الى وعود بتقديم 3مليارات دولار لاعادة اعمار الاقليم ، واذا تحقق هذا الأمر فأن هذا البلد قد قطع شوطا اضافيا بتجاه الاستقرار بعد أن عانى البلد حربا مدمرة وخاصة في العقدين الماضيين ، لهذا شهدنا زيارة عمر البشير الى جمهورية جنوب السودان لينهي عبر هذه الزيارة الكثير من المسائل العالقة بين البلدين ويوقع اتفاقيات مع رئيسها سلفا كير ، ومن أبرز تلك الاتفاقيات اتفاقية تضمن عودة تدفق نفط الجنوب عبر الشمال للتصدير بعد أن توقف لأكثر من عام ، وتسبب هذا الانقطاع بفقدان السودان لموارد مالية كبيرة دفعت البلاد ثمنها بأزمة اقتصادية طاحنة ، ظهرت بوضوح بارتفاع مستوى التضخم في هذا البلد وانخفاض القيمة الشرائية للجنيه السوداني.
وأمام تلك التحولات التي ظهرت في الشهر الماضي ، يتضح أن السودان يتوجه وإن كان ببطئ نحو استرداد جزء من عافيته ، بعد انفصال الجنوب وتصاعد العنف المسلح في اقليم دارفور واقليم كردفان الغني بالنفط ، ورما تدفع تلك المؤشرات الى عودة الحوار بين الحكومة والمعارضة في الخرطوم لتستكمل بذلك دينامية الفعل السياسي للسلطة السودانية الحاكمة ، فالبشير قادر اليوم على استثمار كل تلك المؤشرات لصالح تدعيم سلطته في حكم البلاد وفي مواجهة معارضة سياسية متفرقة وضعيفه في الخرطوم ، فقد أثبت قدرة ومرونة على التعامل مع أحداث جسام مست بنية سلطته على الصعيد العسكري والسياسي والاقتصادي ، لكنه استطاع أن يتمكن من حل معضلات كثيرة منها ، سواء على الصعيد الداخلي والخارجي وأثبت أنه اللاعب الأساسي في المعادلة السياسية السودانية .
بعض المختصيين في الشأن السياسي السوداني قللوا من قيمة الحراك السياسي للسلطة الحاكمة ، على اعتبار أن الأزمات التي يواجها السودان وعلى أكثر من صعيد هي أزمات مزمنة ، وكل الحلول التي تقدم ماهي الى مجرد حلول موضعية لأزمات بنيوية بحاجة الى تغيير جذري وشامل تتضمن رحيل السلطة العسكرية عن كرسي الحكم وتسليمها لسلطة مدنية منتخبة ، لكن الظروف الحالية التي يمر بها البلد وعلى كافة المستويات لا تؤشر الى أن هذا البلد قادر على الوصول الى هذه المحطة ، على الأقل في السنوات القريبة القادمة ، فالسلطة الحاكمة تدرك ذلك وتدرك أيضا أن الضغوط الدولية عليها ستضعف أو ستتوقف تبعا للتنازلات التي قدمها هذا البلد ، وعلى رأسها الموافقة على انفصال الجنوب ، والذي سبب صداعا مزمنا لهذا البلد بعد أن استنزفت الحرب خزينته وجعلته مثقلا بالديون ، وليثبت البشير قدرة فائقة على المرونة في الداخل والخارج بحيث سمحت تلك المرونة السياسية على احداث مناورة كبرى ، فتحت من خلالها الخرطوم الأبواب المغلقة على العواصم الأقليمية والدولية ، ليتفرغ بعدها الى اعادة ترتيب البيت الداخلي فهل ينجح في ذلك ؟