عن الفيلم والغريزة والكسب الشعبوي الرخيص

Share on Facebook

أحمد.م.جابر

9/17/2012 4:29:55 AM

خلال أيام، قامت دنيا المسلمين ولم تقعد، نتيجة لعرض فيلم في الولايات المتحدة، قيل (حسب من شاهد الفيلم أو نظر ضده) إنه يتعرض للرسول محمد (ص) ويشمل مضمونا مسيئا ومهينا لشخصه وللإسلام وبالتالي عموم المسلمين. الثورة العارمة التي تُرجمت إلى مظاهرات سخط وغضب، عمت عواصم عربية خصوصاً مصر واليمن وليبيا وتونس، ناهيك عن مدن أخرى كبيرة، تحولت إلى ممارسة مكشوفة لعنف لايمكن تبريره ضد سفارات غربية وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية، وأيضا ضد رجال الأمن المحليين في هذه العواصم. وقد بلغ المشهد ذروته باقتحام القنصلية الأمريكية في بنغازي وقتل أربعة موظفين دبلوماسيين أمريكان وعلى رأسهم السفير. كيف تحول احتجاج محق وغضب مشروع ضد كراهية دينية، إلى عنف دموي غير مبرر، وكيف يمكن لعرض محدود جداً لفيلم سخيف سيء فنياً وقيمياً، أن ينتج رد فعل يثبت من حيث لايحتسب القائمون به مزاعم الفيلم وأكاذيبه: المسلمون قوم عنيفون بطبيعة دينهم وجوهر ثقافتهم؟! وكيف تسلك جماعة، تعلن ليل نهار أن دينها دين سلام وتسامح ومحبة، دين (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ- الحجرات 13)، كيف تسلك سلوك العنف والقتل، وكأن هؤلاء المسلمين العاديين ينسون )وجادلهم بالتي هي أحسن( (النحل/125)، و (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضُّوا من حولك) (آل عمران/159). لاشك أن ثمة تحليلين للظاهرة،الأول تبسيطي نمطي، استخدمه وسيستخدمه كثيراً مهووسوا الاستشراق من أعداء الاسلام والعرب جوهره يرتكز على الصورة النمطية المرسومة والتي لايمكن زحزحتها في أذهانهم (ألم نقل لكم) هذا هو الاسلام وهذه صورة المسلمين كما هم على حقيقتهم، في هذا المنطق تبسيط مهين لمستخدمه بالذات أكثر مما هو مهين لمن هو موجه ضدهم. التحليل الأكثر تعقيدا، أن المسلمين جماعة ثقافية عادية تخضع لقوانين علم الاجتماع وشروطه. وقبل المضي في هذا التحليل لابد من أن نذكر بحادثتين فاجعتين مماثلتين في النشأة والظهور، الأولى في التسعينيات عندما نشر سلمان رشدي (كتابه) (آيات شيطانية) وهو كتاب- رواية، على ركاكته الفنية وفقره الأدبي، أحدث سخطاً عاما في المجتمعات الاسلامية يماثل الحادث الآن، واللافت آنذاك أن قلة من الساخطين ومحرضيهم المركزيين قرؤوا الكتاب، واللافت أيضا أن نخبة من صحافيين بل ومفكرين لامعين أيضا تصدوا لمهاجمة رشدي والتنديد بكتابه، بعد أن كانوا يعتبرون الرجل أيقونة أدبية وخصوصا بعد كتابه (أطفال منتصف الليل)، وقد اعترف الكثير منهم وعلى رؤوس الاشهاد أنهم لم يقرؤوا الكتاب، لذا يمكن القول أن الهجوم كان تعبيرا عن نزعة شعبوية تكسبية، مثيرة لسخط العقل الناقد، هدفها كسب شعبية ما أو حظوة لدى المحركين الرئيسيين الذين يبرعون في تغيير الأجندات وقلبها، بادعاء الدفاع عن الاسلام واحتكار هذا الدفاع وبث ريح اثارة الغرائز لدى جمهور محبط لتحقيق أهداف ومصالح ليس لها بالتأكيد علاقة بجوهر الاسلام ونبيه الكريم. الحادثة الثانية حادثة الرسوم الكاريكاتيرية وهي بعد طازجة لم يمض عليها زمن، وظروفها مشابهة بل مطابقة لحدث الفيلم، جريدة غير واسعة الانتشار، نشرت تلك الرسوم ثم تبرع مسلمون بالذات لنشرها وترويجها لأهداف شبيهة. المهم في الحوادث الثلاثة، أنه اذا كان مفكرون بعضهم علماني تصدوا لقيادة الهجوم ضد رشدي وضد صاحب الرسوم والآن ضد المريض الذي صنع الفيلم المسيء، دون أن يكونوا قرؤوا أو شاهدوا، فليس غريبا إذا من داعية شيخ لايرتبط بالإسلام إلا بجلابيته ولحيته المتروكة أن يفعل هذا ويزيد. وبالعودة للفيلم، أليس ما يحدث في عواصم الاسلام هو فعلا أكبر عرض جماهيري للفيلم على حد تعبير الناشط المصير وائل غنيم؟ وما الذي يحرك غرائز الآلاف في القاهرة وبنغازي وصنعاء وتونس وغيرها، ماهو المحرك الفعلي وراء هذا السلوك، والإساءة العلنية ليس لمواطنيهم وسمعة بلدانهم فحسب، بل للإسلام بحد ذاته؟ يمكن الذهاب إلى أن عدة عناصر متجمعة تساهم في إحداث هذا السلوك الشعبوي، الغوغائي، لعل أبرزها مشاعر العامة بالمظالم التاريخية المستمرة من الغرب ومشاعر اهانة لحوادث سابقة مشابهة، وهذه المشاعر كانت جاهزة للانفجار عند أول اشارة مترافقة مع تحريف تقوم به بعض الجماعات التي ترى مصلحة لها في هذا التفجير واستمرار قسمة العالم إلى فسطاطي كفر وإيمان. العنصر الثاني وجود طبقة دينية أو فئات دينية تجد نفسها غير قادرة على الجدل بالحجة في مجتمعات ثائرة، وغير قادرة على المنافسة في صناديق الاقتراع بسبب وجود تيارات دينية أقوى منها وأقرب لعموم الناس، فتجد هذه الفئات هذا النوع من الأحداث طريقة شبه وحيدة للسيطرة على الجماعة والتحكم بها غرائزياً مستفيدة من مكون آخر هو العنف الكامن الذي تتشبع به هذه المجتمعات لأسباب متعددة أبرزها طبعا اضطهاد مزمن عانت وما تزال تعاني منه. في مثل هذه الظروف تصبح الغريزة هي المتحكم في السلوك في غياب عقل ناقد، يستطيع التأشير إلى الخلل المتسبب بضعف ركائز الثقة بالنفس التي من المفترض وجودها عند شعوب واثقة من حضارتها ومكانتها التاريخية، وثمة أمر آخر أن ما يحدث يثبت أن الثورة لم تنته بع في بلدان عديدة، الثورة لم تكن الحل السحري الفوري بل هي المدخل لبدء طريق طويل لمعالجة مشكلات هذه الشعوب وأمراضها المزمنة، بعد القضاء على الدكتاتوريات وأنظمة العنف والقسر التي حكمتها وعاثت فيها فساداً.

اضف تعليق