آثار الثورات العربية في الإستراتيجية الروسية!

Share on Facebook

محمد صوان

6/25/2011 4:13:55 AM

في الهدف 1439 انضمت روسيا الاتحادية إلى منتدى المنادين برحيل كل من العقيد القذافي الليبي، وعلي عبد الله صالح اليمني.. ولن يطول الموقف الروسي الذي لا يزال مكتفياً بدعوة الرئيس السوري إلى ضرورة «إقرار الأقوال بالأفعال» ما دام قانون العلاقات بين الدول يقوم على تبادل المصالح. فعلى الرغم من أن ربيع الثورات العربية استهدف أساساً الإصلاح الداخلي، فقد كانت تداعياته على مواقع الدول العالمية والإقليمية كبيرة، وهذه التداعيات متواصلة، ولقد تأثر جميع اللاعبين الدوليين وفي المقدمة مجموعة الثمانية الكبار «G8»، على الرغم من عدم حدوث تحول كبير في ميزان القوى، أو النمط الأساسي للعلاقات الدولية والإقليمية، ومع ذلك فإن الأحداث والتطورات الشرق أوسطية المقبلة يمكن أن تفاجئنا، كما فاجأتنا ثورات الشباب العربي منذ كانون الثاني 2011، وقد تعود لتقلب التوازنات الدولية والإقليمية. إن الحراك الشبابي – الشعبي في الدول العربية دخل «اتوستراد» الصراع الخارجي على المنطقة. لذلك من المبكر توقع مآل الأحداث. ومن المبكر تالياً توقع نظام إقليمي جديد، وخريطة القوى والمصالح الجديدة، وهذه الأحداث لم تؤد حتى الآن إلى نشوء نظام إقليمي جديد أو إلى توازن جديد للقوى، ففي قلب الثورات المباركة التي تجتاح الوطن العربي يدور صراع محموم على الشرق الأوسط تتضارب فيه وتتنافس المصالح والإستراتيجيات الدولية والإقليمية الكبرى. وهذا ما يترك أثراً حاسماً في كل مسار من مسارات هذه الثورات، فكان للعوامل والعناصر والأسباب الداخلية ولا يزال الفعل والدور الأكبر في الحراك.. وفي جل نتائج تداعياته. لكن «الحراك» الخارجي، ومهما يكن لم ولن يتماثل في آثاره مع العوامل والعناصر الداخلية.. من هنا فإن المواقف المتناقضة، والكيل بأكثر من مكيالين، لا تزال تحكم مواقف الأطراف المعنية، من الولايات المتحدة، إلى أوروبا، وروسيا، والصين، والمجموعة العربية، وتركيا، وإيران، وإسرائيل.. كل من موقعه ومسوغ حساباته ومصالحه. وسنحاول بهذه المقاربة المكثفة الإضاءة على الموقف الروسي من أحداث الوطن العربي.. بالرغم من أن موسكو لم تتمكن من الاستفادة الملموسة من هذه الثورات بصورة مباشرة لأسباب عدة: فالبلدان التي تخلصت من الأنظمة الاستبدادية الموالية للغرب لم تختر سياسة خارجية مختلفة حتى اللحظة، وهي لا تنضم إلى المحور الروسي، على خلاف مرحلة الحرب الباردة، حيث كان يؤدي الخروج من معسكر ما إلى الدخول في المعسكر المقابل. وبقيت روسيا عالقة بين وحي شعاراتها السوفياتية السامية السابقة.. ومصالحها الاقتصادية والأمنية الملموسة الراهنة. فالانتصارات العربية تدعو بالفعل لأن يكون الوطن العربي أشبه بتركيا «حزب العدالة والتنمية».. أي ديمقراطياً، مع وجود دولة مدنية، ومجتمع مدني نابض بالحياة، وتعددية سياسية، وعلمانية، جنباً إلى جنب مع حرية المعتقدات والأديان، واقتصاد منتج ومتوازن وخالق لفرص عمل. روسيا لديها ما يزيد على «15» مليار دولار من العقود التجارية مع نظام القذافي، وما يساوي هذا الرقم مع سورية، وهي عارضت التدخل العسكري لحماية المتظاهرين المدنيين الليبيين في البداية، وتحفظت على القرار 1973 الخاص بليبيا، ولا تزال تقف عند حدود النقد الخجول للنظام السوري، ربما لخشيتها على مصالحها الاقتصادية، أو من أن يطبق نهج مماثل على أوسيتيا الجنوبية يوماً ما. الأحداث السورية.. والموقف الروسي جاء الموقف الروسي من الأحداث السورية في المؤسسات والهيئات الدولية، مغايراً للموقف الذي تبنته موسكو من الأزمة الليبية واليمنية حتى الآن. فقد رفضت أي قرار إدانة ضد سورية، وأصدرت بياناً أكدت فيه أن «الوضع في سورية لا يشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين.. والتهديد الحقيقي هو في التدخل الدولي». وأكدت موسكو على لسان وزير خارجيتها لافروف أنها «تشارك باقي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في الشعور بالقلق إزاء تزايد مظاهر التوتر والمواجهات في سورية، والتي تتسبب بسقوط ضحايا من المدنيين والعسكريين». وأعربت روسيا عن أملها بأن تقوم الحكومة السورية بإجراء «تحقيق شفاف في كل الحالات، وأن يمثل المدانون أمام العدالة»، ودعا السيد لافروف الحكومة السورية إلى «إجراء إصلاحات جذرية سياسية واقتصادية، وفتح حوار وطني مع قوى المعارضة، وإطلاق سراح المعتقلين، ووقف سياسة العنف بحق المتظاهرين السلميين». ولعل أهم ما جاء في حكمة مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة قوله «إن التهديد الحقيقي للأمن الإقليمي من وجهة نظر بلدي قد ينجم عن التدخل الدولي في الشؤون السورية الداخلية، الأمر الذي سيؤدي إلى دوامات من العنف لا تنتهي».. وعندما شرع المجلس الدولي لحقوق الإنسان في بحث ما يجري في سورية، وصف المندوب الروسي تبني المجلس مشروع القرار الأمريكي ضد سورية، بأنه «أمر غير مقبول ومثال على التسييس والمجابهة وانتهاك مبادئ الحوار والتعاون». وجاء في بيان وزارة الخارجية الروسية يوم 1/5/2011: «من غير المقبول استخدام آليات الأمم المتحدة الهادفة إلى احترام حقوق الإنسان في العالم لتحقيق أهداف آنية وللتدخل في الشؤون الداخلية لبلدان ذات سيادة». وأوضح البيان أن التركيز على الأحداث في سورية في ظل الوضع المتوتر في الشرق الأوسط يثبت سياسة «إزدواجية المعايير» وانحياز الداعين لاجتماع المجلس ومقارباتهم الانتقائية للأحداث. لم تكن مواقف الخبراء والمحللين الروس مختلفة عن الموقف الروسي من محاولات التدخل الخارجي بالشؤون السورية.. فانتقد كبير المحللين الإستراتيجيين الروس ميخائيل ليونتيف سياسة الكيل بأكثر من مكيال الأمريكية، معتبراً أن «جوهر ما يقوم به النظام الدولي المتأمرك هو إشعال الحرب والمشاركة فيها».. ويذكر السيد ليونتيف بتعامل الإدارة الأمريكية في دول أخرى مع المتظاهرين، ويعبر عن دهشته لعدم تبنيها بحق هذه الدول مواقف مثل التي تتبناها تجاه ليبيا وسورية. كما انتقدت المستشرقة الروسية كوتشيفا سياسة الإدارة الأمريكية خاصة، والغرب عامة، تجاه سورية واصفة ما يجري بأنه «مؤامرة تستهدف سورية». ومن البديهي القول أن روسيا لا تؤمن منذ زمن بعيد بالنظام الدولي الحالي، وتسعى لإقامة نظام عالمي بديل، لا مكان فيه لإزدواجية المعايير وسيطرة قوة عالمية وحيدة الجانب على المؤسسات الأممية، وتحركها وفق أهوائها ومصالحها، فروسيا نفسها قد عانت الكثير من عسف النظام العالمي المتأمرك، ولعل موقف الغرب الداعم للعدوان الجورجي على أوسيتيا الجنوبية خير دليل، حيث قام بتبريره، والصمت على ما تسببت به من سقوط ضحايا مدنيين في المدن والقرى الأوسيتية، وفي الوقت نفسه قام هذا الغرب بشن حملة إعلامية ظالمة ضد روسيا في محاولة لقلب الحقائق.. وليجعل من المعتدي جورجيا – ساكاشفيلي ضحية، وروسيا التي تدخلت لحماية المدنيين، معتدياً. العلاقات الروسية – السورية التاريخية بشكل عام أثبتت التجارب الماضية أن التدخل الغربي – الأمريكي أينما كان وحل، يحمل معه الخراب والدمار والفوضى. لذلك من الطبيعي أن تقف روسيا ضد هذا التدخل، لا سيما عندما يدور الحديث عن سورية الحليف الأوحد لروسيا في المنطقة. ويعود ذلك إلى طبيعة العلاقات التاريخية التي تربط البلدين من جهة، والثقة التي تكونت لدى القيادة السورية حول التدخل الغربي الذي يهدف إلى استغلال الأزمة في سورية لتوجيه ضربة مؤلمة لها، وبالتالي تطويعها في خدمة مشروع الهيمنة الأمريكية على المنطقة من جهة أخرى، حتى لو كان ذلك على حساب المطالب المحقة والمشروعة للشعب السوري. وفي هذا السياق عبرت روسيا عن خشيتها من أن يتسبب التدخل الغربي بشؤون سورية إلى خلق حالة من «الفوضى العارمة» في المنطقة، وربما تطال الأجزاء الجنوبية من روسيا.. لهذا من الطبيعي أن تتبنى روسيا موقفاً يتناسب مع الطبيعة الإيجابية والتاريخية لعلاقاتها مع سورية، وحمايتها مما يعده الغرب لها، ولخاصرتها الأمنية الجنوبية. لقد توافرت مجموعة عناصر ساهمت جميعها في بلورة الموقف الروسي من المساعي الأمريكية الرامية إلى استغلال الاحتجاجات في سورية، إذ ترفض موسكو تدخل أي جهات خارجية – دولاً أو منظمات دولية – في الشؤون الداخلية للدول، لا سيما عندما لا يتوفر التوافق الدولي لمثل هذا التدخل، حتى وإن جاء بصورة غير مباشرة عبر قرارات إدانة أو عقوبات صادرة عن هيئات ومؤسسات دولية، وتدلك موسكو أن التدخل الخارجي في الشأن السوري سيؤدي إلى خلق حالة من الفوضى، مما يعني زيادة حدة التوتر على الصعيد الإقليمي، وفي المنطقة المتاخمة للحدود الجنوبية الروسية، ذات الأهمية الإستراتيجية لأمنها القومي. ويزيد من تعقيدات الموقف الروسي، إلى جانب المخاوف من تدهور الاستقرار في سورية، عدم امتلاك موسكو الوسائل الكافية للتأثير في الأوضاع داخل سورية، فخلافاً لحالتي اليمن وليبيا، حيث تستفيد روسيا من تصدير السلاح، فإن بعض الاعتبارات والحسابات تحول دون سقوط سورية في المحظور، الأمر الذي سيضطرها إلى إعادة النظر في علاقاتها وتموضعها على خريطة المنطقة، فضلاً عن الإصلاحات المطلوبة في الداخل، ستجد نفسها مدفوعة نحو المزيد من التوازن في علاقاتها العربية – العربية.

اضف تعليق