الحريديم ومعركة البقاء

Share on Facebook

أحمد.م.جابر

لم يكن خروج القوائم الحريدية من الائتلاف الحكومي الاسرائيلي الجديد، أو بالأحرى استبعادها من الائتلاف، نهاية المطاف للمعركة التي احتدمت أثناء فترة السباق الانتخابي، ولم يكن ممكنا أن يتوقع أي محلل أن الحريديم، الحائزين 18 مقعدا في الكنيست، سيلزمون الهدوء بعد أن أصبحوا خارج الحكومة وخسروا مكانتهم كبيضة قبان أي ائتلاف حكومي للمرة الاولى.

القصة ليست فقط قصة (كفاح) يائير لبيد ، رئيس حزب (يش عتيد-هناك مستقبل) والنجم الصاعد في السياسة الاسرائيلية، ضد الهيمنة الحريدية على مفاصل الدولة، مستخدما مكانته كوزير للمالية كسلاح فعال في هذه المعركة.

لبيد هاجم الحريديم علناً، وطالبهم بالخروج للعمل مهددا بتقليص مخصصاتهم ، والسؤال الذي يطرح نفسه على خلفية مشاكل لبيد مع نتنياهو والتقلقل السياسي للحكومة هو: هل هذا الهجوم هو هجوم مبدئي أم يتعلق فعلا بالصراع على شكل الدولة، وهو صراع قديم متجدد يعود الى الأيام الأولى لإقامة الكيان الصهيوني، أم هو مجرد تغطية على سياسات اقتصادية يريد لبيد تمريرها وبالتالي صرف نظر الجمهور، خصوصاً أنه في الوقت الذي يهاجم فيه مخصصات الحريديم ويصفهم بأنهم طفيليات، يمتنع عن الاشارة إلى مخصصات الاستيطان الهائلة متجنباً اغضاب حليفه وشريكه زعيم حزب البيت اليهودي نفتالي بينيت.

ملامح معركة لبيد ضد الحريديم ليست جديدة، وهي سياسات حدثت محاولات لاتباعها أو التهديد بها على مر السنوات وحسب أوضاع  الحكومات، ولكن النفوذ السياسي داخل الحكومات لممثلي هذا المجتمع كان يحول دائما دون تطبيقها.

وجوه الأزمة:

تمثل مسألة المتدينين المتزمتين (الحريديم) وخصوصاً لجهة دمجهم، جزءا مهما من انشغال الزعامة الاسرائيلية السياسية وهي مسألة تحتل الأجندة السياسية في اسرائيل.

هذه المسألة تتقدم إلى هذا الموقع  بحكم أهميتها لذاتها من جهة وارتباطها بقضايا أخرى مهمة اقتصادية وقانونية واجتماعية من جهة أخرى. فمن ناحية اقتصادية، ترخي مشاكل وأعباء ميزانية الدولة بظلالها على العلاقة مع هذا الجزء من المجتمع خصوصاً مع زيادة عدد الحريديم تحت خط الفقر واتجاه الحكومة لتقليص الميزانيات، ويعود ارتفاع معدلات الفقر في أوساط الحريديم إلى ثلاثة أسباب: 1- معدلات تشغيل منخفضة، 2- مستوى أجر منخفض ارتباطاً بضعف التأهيل، 3- ارتفاع عدد الأولاد في العائلات الحريدية مما يعرقل تجاوز خط الفقر. يذكر أن 61% من النساء الحريديات يعملن مقابل 88% من العلمانيات، و52%من الرجال الحريديين منخرطون في سوق العمل مقابل 93% من العلمانيين.

ومع تقلص التمويل الحكومي سيجد المجتمع الحريدي نفسه بين مطرقة (الاندماج التشغيلي) والانخراط أكثر في سوق العمل، ما يعرض تميزه الثقافي للخطر، وسندان الفقر المتصاعد مع النمو الديمغرافي الكبير وقد فشلت المؤسة الاسرائيلية والزعامة الحريدية حتى الآن في ايجاد حلول تستجيب للحاجة إلى الجمع بين الرفاه الاقتصادي والمحافظة على النسيج الاجتماعي المميز.

أما على الصعيد الاجتماعي، المتأثر طبعا بالوضع الاقتصادي، فلايمكن للحكومة تجاهل موجة الاحتجاج الاجتماعي التي قادتها الطبقة الوسطى ولم يشارك بها الحريديم، بل أن جزءا من مطالباتها كان تقليص ميزانيتهم والمساواة في الأعباء وعدم قدرة الحكومة على تجاهل هذا الحراك سيلقي بظلاله على العلاقات المستقبلية مع الحريديم وممثليهم السياسيين.

البعد لآخر هو بعد قانوني، وثيق الصلة بما قبله، ويتعلق بإلغاء قانون طال وايجاد بديل عنه، وهي أزمة مستعصية في الواقع الاسرائيلي، حيث يطرح الاعفاء الواسع للحريديم من الخدمة مسألة المساواة في العبء، فإذا كان الحريديم يعتقدون أنهم يقومون بواجبهم تجاه الدولة عن طريق تعلم التوراة، فغالبية الجمهور تعتبره تهرباً من الخدمة بل سبب اضافي وجوهري في الأزمة الاقتصادية.

ولهذا المحور صلة أساسية بالجيش والسياسة على حد سواء، فالزيادة العددية والتوسع الديمغرافي للمجتمع الحريدي يطرح أمرين أولهما عجز الجيش عن الوصول إلى قطاعات هامة وبالتالي الحد من قدرته على تجنيد موارد بشرية كبيرة يعتبر نفسه بحاجة إليها، أيضا المجتمع الحريدي يستغل قوته السياسية ويتعاظم تأثيره في سياسات الدولة بحكم توسعه العددي.

والحريديم يتهمون باقي الجمهور بسوء وقصور فهم الدور المهم الذي يضطلع به عالم المدارس الدينية (يشيفوت) في حماية الدولة والقيم اليهودية وبلورة شخصية الدولة وينتقدون اقتصار النظر إلى المساهمة المنخفضة في اقتصاد أمن الدولة. فنمط حياتهم القائم على (انعزال اجتماعي وتمترس ثقافي) هو حسب زعمهم الوصفة السحرية لبقاء الشعب اليهودي طوال 2000 سنة في المنفى.

وفي محاولة جديدة لحل مشكلة التجنيد، شكلت الحكومة الجديدة لجنة جديدة برئاسة وزير العلم والتكنولوجيا يعقوب بيري (لجنة بيري) للتوصل إلى تسوية وصياغة قانون حول تجنيد شباب الحريديم بالجيش ومن المفترض أن يكون أمام اللجنة 49 يوماً لعرض القانون على الكنيست.

وقد صرح بيري أن اللجنة ستقدم للكنيست (قانوناً يرضي جميع طوائف وأحزاب المجتمع الاسرائيلي) فيما يبدو أنه اعلان انتخابي أكثر منه خطة عمل جدية، ولعل هذا يؤشر إلى أن مصير لجنة بيري لن يكون أفضل من مصير لجنة بلسنر التي دفنها نتنياهو إثر خلافه مع موفاز. مع العلم أن 16% فقط من أبناء الحريديم يتجندون مقابل 75%  من السكان عموماً.

الصراع له أبعاد أخرى:

انه صراع مستمر على هوية وصورة الدولة يتغذى من عقائد راسخة من طرفين تزوجا اجبارياً عند تأسيس الكيان، وهو صراع يتجلى اليوم في صلب الممارسات الاجتماعية التي قد تعتبر غير ذات بال ولكنها تهز المجتمع الصهيوني من داخله: الفصل بين الرجال والنساء في المناطق التي يسكنها الحريديم، التشدد في مراقبة الاختلاط ومنعه في المدارس، ورفض جنود متدينين المشاركة في مراسم رسمية تغني فيها نساء أو المشاركة في تدريبات تشترك فيها مجندات ومطالبة النساء بالسير على رصيف منعزل في بعض المناطق، ناهيك عن مشاكل يوم السبت، ورغم أن هذه الممارسات قديمة إلا أن خروجها من الحيز الحريدي إلى الحيز العام أشعل الصراع.

لم يسكتوا:

الحريديم، يدركون جيدا أبعاد الصراع وطبيعته، ويعلمون أن خطط لبيد وهجومه هو جزء من حرب طويلة يقولون أنها تستهدفهم، وهم كما هو واضح مستعدون للذهاب إلى النهاية عبر شن هجوم واسع على لبيد عبر الصحافة وعبر نوابهم في الكنيست، بل أن مجلة هموديع الناطقة بلسان أغودات اسرائيل قد نشرت مقالا رئيسيا طالبت فيه قراءها التفكير جدياً بالمطالبة بحكم ذاتي للحريديم، وبعيدا عن الصحافة فإن الحريديم وخصوصا ممثليهم السياسيين يعلمون تماماً ضعف الائتلاف الحكومي الحالي ويعلمون أن نتنياهو ربما لن يطيل شهر عسله مع لبيد وبالتالي لن يسمح بتحرير سياسات تعيق انضمام هؤلاء إلى حكومته عندما تدق ساعة انهيار الائتلاف.

اضف تعليق