العرب في أخطر مراحل نموهم "عن التحولات الجذرية الهادئة والملتهبة"

Share on Facebook

وليد عبد الرحيم

حتى التاريخ نفسه لا يتساوى بالضرورة من حيث نسبة التشابه بين اثنين من أزمانه، فالأمر منوط بتفاصيل لا تعد ولا تحصى، مدرَكةٌ  و ربما مُدرِكةٌ ...

و يبدو بأن أهم ما يجري اليوم، هو ذلك التحول العميق الذي تشهده ساحة العقل العربي ، لا استبدال النظم السياسية كما هو منظور، أو على الأقل انتقال ساحة العقل إلى مكان آخر بكل مفرداتها وأساليب  تفكيرها و رؤاها، أو ربما شكل الصراع على السلطة المعهود خلال التاريخ العربي ، فقد فتحت مساحات أمام شكل جديد فرضته مفردات حداثوية تنقض  الماضي وتتطلع نحو المستقبل، الماضي المليء بخزانات ضخمة من النفاق و الخيبات والهزائم والفظائع و اللصوصية والاضطهاد ، والأهم أنها خزانات تحتوي كل أنواع انهدار الكرامة الوطنية والقومية والإنسانية المستمر منذ مئات السنين، والمستقبل الذي- وإن يبدو في تفاصيله غائماً - إلا أنه يبقى غداً غير مرئي ،قابل للاحتمالات ، لكنه يسعى في جوهره إلى شكل ونظم طامحةٍ إلى هدم أيديولوجيا القهر والتبعية التي ستكون بالضرورة  ثمرة مهمة للتضحيات ،إن هي تم استثمارها، ووبالاً من نوع جديد إن استطاعت الأنظمة النائمة الهيمنة بدل الأنظمة الساقطة .

لكن الحقيقة الواضحة اليوم تشير إلى أن النظام العربي بشكله التقليدي قد سقط إلى غير رجعة، بحكم ارتباطه بآلية تفكير، وهو ما يفسر ذلك الخيط الخفي المتأصل الذي يربط الأنظمة ببعضها حُكماً على الرغم من كل اختلافاتها، فقد قرأت هذه الأنظمة برمتها عند شيخ واحد ونهلت من نفس المعين الفكري والتعبيري و الأساليبي ، واختلفت فقط ببعض مفردات الخطاب، لهذا نجد مواقفها - مع اختلافها- متفقة على بديهيات استلاب السلطة واستبعاد طموحات ومطالب الشعوب في التحرر والديموقراطية وخلق دولة القانون، فمهما بلغ الخطاب من اختلاف يعود مع أول أزمة  أو احتياج نفعي لاستلهام روح العرب المتأصلة  الممتزجة سياسياً بالخطاب القبلي والديني ، فتُستنفر جيوش المشايخ المتأسلمين والمتمسحين والقبليين وأشباه المثقفين قبل جيوش الدفاع وأجهزة ومؤسسات الدولة غير المؤسساتية، وهو استمرار حصري لحالة السكينة السلطوية الطويلة .

رجل العربة في سيدي بوزيد، رد ببلاغة ونيابة عن ثلاثمائة مليون عربي على كم ونوع الاضطهاد والقهر والتجويع المتأصل هذا، ولا بد أن محمد البوعزيزي فكر ككل مواطن عربي بجبن و تواطؤ وانعدام كرامة الأنظمة أمام إسرائيل وبقية الأعداء، واستبسالها في ارتكاب الحماقات تجاه المواطن الذي يسعى لمطالب قانونية دستورية فردية أو جمعية هي من بديهيات الحياة أولاً، ونصت عليها دساتير العرب الشكلانية قاطبة ثانياً، ذلك الأمر الذي شكل تراكمه المضني منذ الأعوام المئة الأخيرة إلى تراكمات وإرهاصات لا تحتمل، فقد سقطت فلسطين، بل بيعت مقابل أقاليم المشيخات، وانتهكت الكرامة وسلبت الثروات باسم الجيوش والمؤسسات والقضية، في وقت يعرف الجميع أن كل ما يقال محض كذب وتلفيق عن التحرير و التنمية والاستقلال ، لهذا تمسك النظام العربي بالمقولة كاستعاضة عن الفعل، وتزوير فحوى انتهاك الكرامة المفقودة عبرخلق معادلات لفظية لها بدل محاولة استردادها، حتى وصل الأمر إلى قمة الارتباط العضوي بين اللا كرامة وبقاء النظام،

 هذا النظام العربي برمته أصبح بالتالي صمام أمان طبيعي وتلقائي لبقاء كيان النازية الصهيونية،واستلاب الاستقلالية، ولهذا السبب تسعى القوى الداعمة لوجود وبقاء إسرائيل إلى ترسيخه واستبداله كشكل خارجي فقط، في حالات الضرورة القصوى و تدرك الشعوب اليوم بأن النفط المهدور وجيوش الكلام وغياب الحرية والكرامة هو أفضل الخيارات لإبقاء التبعية و إسرائيل حية ترزق، وهو ما اتضح جلياً وتدريجياً منذ العام 1967 حيث صدم البسيط وغير البسيط بالنتائج المذهلة لشعارات الأنظمة بكافة مفرداتها وكيف أن تأسيس المشيخات القُطرية بأشكالها الأميرية والملكية والرئاسية ليس سوى استكمال لنمو الكيان المعادي، ولهذا تصادمت كل أنواع الأنظمة بأدوات تختلف فقط بحكم الجغرافيا مع المقاومة الفلسطينية وحركات التحرر كافة، فبمجرد وجود هذه القوى يتم تشكيل خطر نائم على عرشها القائم المتداعي في أحسن أحواله ، ومن هنا كان لا بد من تهيئة أرضية صلبة لنظام عربي نائم خفي بدأ بدعم التشكيلة الخطابوية الإسلامية واستمر مع حفظ بعض قوى اليسار والعلمانية المرتبطة أيضاً بقوى عالمية من خلال مقولات الحداثة والتنوير والاقتصاد ، فكان الشكلان بمثابة الجوكر المخفي تحت الطاولة الجاهز لاستخدامه فور احتياجه، أي أن الواقع العربي اليوم يتمتع بميزة وجود النظام قبل تشكله ،وهو ما استشعرته النخبة العربية برمتها، واليوم باتت تدركه الغالبية العظمى من المواطنين ، حيث يستدعي اليوم اتخاذ أحد أهم الأشكال النائمة ، الشكل الديني والطائفي تحشيداً وتمتيناً يفضي إلى كل احتياجات المحافظة على هيكلية التخلف – وكما أسلفنا – فكل تخلف و لصوصية وخطاب رنان يحفظ إسرائيل وينفذ إرادة الغرب ورغبة الأنظمة التي تدرك احتياجها لذلك.

الخطر إذن - بشكله العام - ذو شقين خطر استمرار النظام القائم، وخطر اجتياح النظام القادم، الذي يبدو واضحاً بشكله الديني، بتعبير أدق الطائفي ،وهو ما ترتبه فعلا دوائر الغرب، فالأصول والمسلمات التي تتخذ حالة القطيع، هي الأخطر من الارتهان لسكونية و لصوصية تستقي عناوين أخرى

كل هذا لا يعني رفض التغيير، بل يعني دعمه مع تكثيف الجهد لسحق الشكل القادم المدعوم غربيا حتى قبل تفشيه واستحواذه، وهو بالضرورة لا يعني دعم القائم، بل العمل على تشكيل القادم على أسس قانونية ديموقراطية مدنية، قومية بالضرورة، لا كما يهمس البعض في الأروقة عن تكريس القطرية، فالقطرية هذه كانت محرك ووقود استبقاء تخلفنا، إذ أننا وبحسبة سريعة وبسهولة مذهلة سنكتشف بأن إطار المحافظة على ذلنا وتهلهل اقتصادنا وتخلفنا هو القطرية ذاتها.

... نعيش اليوم حالة مخاض صعب ، والأمر هنا لا يعني فقط الدول التي انتصرت فيها الثورات،أو التي تجري الآن، أو القادمة التي يظن البعض أنها بعيدة عن ذلك، فالزلزال قائم في أسس و تفاصيل ومفاهيم وآلية العقل العربي وهو غير منوط بجغرافيا أو شكل سياسي أو اقتصادي، وهذا يعني بالتالي بأن نتائجه بالضرورة ستكون ايجابية في النهاية، لكن النهايات حين تطول أكثر مما ينبغي لها تقدم ثمناً أكثر مما تستحق، ومحاولات تأجيل وتمييع نتائج التضحيات كما يجري في مصر وتونس ليست سوى التفاف غربي على تضحيات وإنجازات الشعب ومحاولة إبقاء قسري لقيم وعلاقات وارتباطات النظام السابق، فقد برز الجوكر المخفي منذ سنوات طويلة بشكل قسري ومنظم ، تماما مثل استخدام ورقة الجوكر من قبل اللاعبين ، بمعنى أن هناك محاولات لتسيير قسري من قبل القوى المحلية والعالمية لشكل وبنى المستقبل العربي القادم.

لكن الشكل القادم في العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والذي يتأثر منذ الآن بالأيدي الخفية لن يحتمل استبقاء حركة التاريخ في أدراج لاعبي القمار، لأن هؤلاء اللاعبين يتناسون أن انطلاق الفكرة ليس وليد اللحظة وانما هو نتاج تراكمي لكل أنواع الإذلال وعناوينه منذ سايكس بيكو الذي كرس بنى وشكل النظام العربي القائم الذي دمغ فشله المستمر والمتنامي ببصمة واضحة في كافة المناحي، ومن هنا فإن التأسيس على الخراب خراب بالضرورة، ومهما ابتدعت القوى الداخلة اليوم من مفردات جديدة لن تغير حقيقة قائمة، وهي أن العرب جميعهم باتوا يرفضون العودة إلى الوراء وهو ما برز جليا في شوارع تونس ومصر، التي رفضت وبتنامي مضطرد ترك جوهر النظام واستبداله بعباءة متأسلمة لا تختلف إلا خطابا عن النظام الساقط، فلا التمسك بالبائد ولا تحسين او حتى تطوير شكله يحمل صفة الجدوى، والاعتقاد بالتغير الفعلي يبدوهنا اعتقاداً مؤقتاً ، اثبتت الحالة أن مؤقته سريع العطب لا يحتمل انتظار السنوات ولذلك انتفضت الدول المحررة بسرعة مذهلة وبطريقة تخرج عن اعتياد البطء العربي الشهير، فها هي القوى المستولية على السلطة تفعل واقعا وعلى الأرض كل ما فعله النظام السابق، وهي التي بنت استعداءها على فضح ممارساته وتوجهاته، مما يجعل من سقوطها أمرا حتمياً، وثمة إشارات قوية جدا بان العقل العربي و الإنسان بنشاطاته المختلفة لم يعد ساكنا، لقد أصبح العقل العربي، وان اتخذ أشكالا وتجليات عدة، عاملاً و بامتياز، ولكن بانتظار تحقق الحتمي هناك أخطار كبرى ومسيرة من الدم والضحايا والنشاطات الغربية التي لا يريد البعض رؤيتها.

 

 

 

اضف تعليق