??ɠ???
موسى جرادات
باكستان والنفوذ الأمريكي انقلاب العسكر وخضوع الساسة

تميزت الحقبة التاريخية التي أعلن فيها عن قيام دولة باكستان بمرحلة ما يعرف عصر نهاية الاستعمار في دول أسيا وإفريقيا وبناء الدول الوطنية الحديثة ، لكن تبقى قصة استقلال باكستان مرتبطة بعوامل مختلفة عن الدول المحيطة بها ، فهذا البلد الذي أعلن استقلاله عن الاستعمار البريطاني في العام 1947 حيث جاء هذا الإعلان تتويجا لسلسة من التنازلات قدمتها النخبة السياسية الباكستانية للمستعمر البريطاني ، فمطلب الاستقلال الباكستاني تحقق انطلاقا من تصورات اديولوجية تقوم على بناء دولة للباكستانيين انطلاقا من الهوية الإسلامية وليس من الهوية القومية .

من المعروف أن ما يعرف بباكستان اليوم كان جزءا لا يتجزأ من شبه القارة الهندية وان نضال المسلمين في الهند كان مقترنا بنضال الهندوس والسيخ في مواجهة المحتل البريطاني على قاعدة الهوية القومية الهندية في إطار حزب المؤتمر الوطني باعتباره إطارا سياسيا جامعا لكافة مكونات المجتمع الهندي ، إلا أن التدخلات البريطانية في بنية المجتمع الهندي ساهمت إلى حد بعيد في إحداث شرخ عميق في بنية هذا المجتمع بحيث استطاع الاحتلال البريطاني التعامل مع مكونات هذا المجتمع انطلاقا من الانقسام الديني ، وقد ترجمت بريطانيا فعليا هذا الانقسام بإعطاء المسلمين بقيادة محمد علي جناح الاستقلال لباكستان  وللمفارقة فان استقلال باكستان جاء قبل يوم واحد من إعلان استقلال الهند عن التاج البريطاني .

 

باكستان الاستقلال والنفوذ البريطاني

شهدت السنوات العشر الأولى من استقلال باكستان نفوذا بريطانيا متعاظما فيه إلا أن أفول نجم الإمبراطورية البريطانية وخفوت نفوذها في العالم وحضور الولايات المتحدة الأمريكية لملء الفراغ الاستراتيجي  الذي أحدثه تراجع النفوذ  البريطاني، شكل المحطة الأولى في إطراب النظام السياسي المدني الذي حكم باكستان منذ لحظة الاستقلال حتى العام 1958 حيث شهد هذا العام أول انقلاب عسكري بقيادة (أيوب خان) أطاح بالحكومة المدنية، لكن مرحلة النفوذ البريطانية في باكستان تميزت بقدرة بريطانية على مد الجسور مع كافة النخب السياسية في هذا البلد ، في حين شهد هذا البلد في هذه المرحلة عملية بناء طالت مختلف أشكال الحياة الاقتصادية والعمرانية والثقافية كما شهدت أيضا بناء الجيش الباكستاني الذي يعد حتى يومنا هذا احد أهم الروافع الأساسية لبنيان الدولة الباكستانية نظرا للدور الكبير الذي لعبه هذا الجيش منذ نشوء باكستان وحتى يومنا هذا .

 

أمريكا إستراتيجية واضحة وتكتيكات متغيرة

شهدت مرحلة النفوذ الامريكي في باكستان منذ العام 1958 سياسات أمريكية واضحة المعالم دشنتها بدعم الانقلاب العسكري عبر الإطاحة بالحكومة المدنية في باكستان ،مما لاشك فيه، أن نقطة الارتكاز في تعاطي الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع البلدان التي خضعت للنفوذ الامريكي انطلقت من تصورات استعمارية واضحة وقراءة للجغرافية السياسية للمنطقة ككل ، وكان عنوان هذا النفوذ يقوم على مبدأ تلبية مصالح الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، في المقابل لم يكن لدى الإدارات الأمريكية أي اعتبار للنظم السياسية التي خضعت لنفوذها ، فإذا احتاجت إلى حكومة مدنية في باكستان انطلاقا من مصالحها كان الخطاب السياسي الامريكي بكل مفرداته داعماً للحكومة المدنية ، لكن في حالة باكستان المضطربة منذ نشوؤها دعمت بكل قوة الحكم العسكري فيها وأشادت بشجاعة قادتها العسكريين ، ومرحلة الجنرال ضياء الحق والذي حكم باكستان منذ العام 1977 وحتى العام 1988 كذلك مرحلة الجنرال برويز مشرف والذي حكم الباكستان منذ العام 1998 وحتى العام 2009 خير دليل وشاهد على أن الإدارات الأمريكية كانت تفضل الحكم العسكري في باكستان نظراً لحاجتها لقيادة عسكرية في باكستان تقوم على تنفيذ المهمات الملقاة على عاتقها وفق الإستراتيجية العسكرية التدخلية للولايات المتحدة ، فمرحلة ضياء الحق جاءت في ظل تحولات كبرى شهدتها المنطقة المحيطة بباكستان ، حيث انتصرت الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979 ، ودخول  السوفيت أفغانستان في بداية العام 1980، هذان الحدثان يعدان أساس العلاقة التي حكمت ضياء الحق مع الإدارة الأمريكية بقيادة جيمي كارتر و  إدارة رونالد ريغان، فقد اعتمدت الإدارتان على دعم  الجنرال ضياء الحق في تنفيذ سياسات الولايات المتحدة سواء في دعم وتسليح المجموعات العسكرية في مواجهة السوفيت ودعم المجموعات العسكرية الكشميرية في مواجهة الهند في المقابل وضع باكستان على أهبة الاستعداد مع جارتها إيران تحسبا لأي طارئ ، بالإضافة إلى مرحلة ضياء الحق تعد مرحلة  الجنرال برويز مشرف هي الأخرى كاشفة عن طبيعة النفوذ الأمريكي في باكستان ، ففي هذه المرحلة تعاظم النفوذ الأمريكي في هذا البلد في المقابل ازدادت المعونات المالية لباكستان وازداد دعم وتسليح الجيش الباكستاني نظرا للتدخل العسكري  الأمريكي المباشر  في أفغانستان حيث احتل هذا البلد في العام 2001 م من قبل الجيش الامريكي ولوجود حدود طويلة مع باكستان ازدادت هذه العلاقة وتوسعت  بحيث تحولت باكستان إلى أحد أهم خطوط الإمداد العسكري لقوات الناتو في أفغانستان بالإضافة إلى هذا فقط ساعد الجنرال مشرف على كبح جماح  قبائل  الباشتون الباكسانية الداعمة لإخوانهم الأفغان على امتداد الحدود الباكستانية الأفغانية .

 

باكستان الغليان بين إدارة بوش وأوباما

 

 شهدت المرحلة الانتقالية بين انتهاء عهد الإدارة الأمريكية بقيادة جورج بوش واستلام باراك اوباما دفة الحكم تحولات عميقة في بنية الدولة الباكستانية ، حيث استندت قيادة الجنرال براويز مشرف في حكم باكستان على الدعم المطلق الذي قدمته الإدارة الأمريكية له ، وعلى الرغم من أن هذا الدعم أمن له البقاء في السلطة لما يزيد عن عشر سنوات إلا أن هذه المدة كانت كفيلة باستنزاف الاقتصاد الباكستاني حيث شهدت هذه المرحلة تراجعاً في معدلات النمو في المقابل ارتفعت الأسعار وازدادت وتعمقت البطالة، هذا على الصعيد الاقتصادي، أما على الصعيد السياسي فقد عمل مشرف على تنفيذ معظم ما طلبت منه من الإدارة الأمريكية فاصطدم مع  أبناء شعبه وبالتحديد مع المقاطعات المحاذية للحدود الباكستانية الأفغانية وما تزال حتى هذه اللحظة نار الحرب التي أطلقها مشتعلة .

إن الناظر للتجربة التاريخية التي عاشتها باكستان منذ لحظة استقلالها والى هذا اليوم يجد أن هذا البلد والذي جاء استقلاله ملتبسا وفي سياقات اقرب ما تكون إلى متطلبات دولية منه إلى متطلبات شعب يريد الاستقلال ، فاستقلال هذا البلد جاء في الدرجة الأولى لإضعاف الهند وذلك ضمن تصورات استعمارية ذات أبعاد إستراتيجية ، إلا أن الهند استطاعت القفز عن كل المعيقات التي وضعت أمامها  فتحولت اليوم إلى بلد اقتصاده متعاظم ويمتلك نفوذ في محيطه الجغرافي ومرشح في السنوات القادمة للعب ادوار مركزية وأساسية في الاقتصاد العالمي وفي السياسة الدولية في حين أن باكستان الدولة والمجتمع يعيشان أزمات كبرى تطال الهوية كمرجع أساسي للأمة الباكستانية  وتطال البنى السياسية عبر تشظيها وانقسامها واختلافها على أكثر من قضية أما الوضع  الاقتصادي فإن هبوب رياح العولمة في هذا البلد بما تحمل من عناوين قد دفع الوضع الاقتصادي إلى مزيد من الأزمات، يضاف أن البلد مازال يعيش اقتصاديات ما قبل الرأسمالية ، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة الأمية والفقر إلى حدود جعل من الباكستان تتربع على أسفل السلم التنموي ، إنها أزمة في عمق المجتمع الباكستاني الذي بدأ ينظر إلى نفسه كأقليات عرقية ، فيه كل جماعة تريد لنفسها حصة على حساب الجماعات الأخرى وعلى حساب الوطن ككل ، إن باكستان وعلى امتداد عقود الاستقلال دفعت أثمان كبرى في سبيل تامين مصالح الولايات المتحدة في محيطها ، ولم تجن من هذه العملية سوى الهلاك و الخراب ، وحتى جنرالاتها الذين ظنوا في فترة حكمهم أن أمريكا دائمة لهم وحامية لم يسلموا من نكث الوعود ، فضياء الحق مات مقتولا في تفجير طائرته في روالبندي  حصن مؤسسته العسكرية بعد أن نفذ كل ما طلب منه من الإدارة الأمريكية وكان مصيره بعد  انتهاء هذه المهمة شاهدا على النهايات الدرامية للنفوذ الأميركي ، أما مشرف فقد ساوم الإدارة الأمريكية على استقالته في مقابل تامين بلد يلجا أليه ، إلا أن كونداليزا رايس أجابت أنها( لم ولن تناقش الموضوع بالمطلق )، فلا أخلاق في السياسة الأمريكية حتى وان كانت شكلية .
 
 

 

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½

2003-2007