??ɠ???
محمد صوان
اليسار اللاتيني.. وتحدي القوى الإقليمية للقارة الجنوبية

عند الحديث عن صعود يساري لنظم الحكم الأمريكية اللاتينية، فلا بد من التمييز النوعي بين أحزاب وقوى اليسار الجديد، فهي ليست يساراً واحداً، أو تتبنى أيديولوجية واحدة، وتوجه داخلي وخارجي متماثل، فثمة تباين جوهري في توجهات الأنظمة اليسارية الصاعدة هناك.

ينقسم اليسار في أمريكا اللاتينية إلى تيارين:

الأول: يسار قومي راديكالي، يطلق عليه البعض «اليسار الشعبوي» الذي تبنى نهجاً راديكالياً في علاقاته مع القوى الخارجية، معتمداً على تعبئة الرأي العام ضد هذه القوى. ويتسم خطابه السياسي بالتشدد تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، ومن أبرز رموزه الرئيس الفنزويلي تشافيز والرئيس البوليفي موراليس.

الثاني: يسار قومي إصلاحي، وهو يتبنى سياسات إصلاحية داخلية، لكنه لا يسعى للتغيير الجذري في الحياة الاجتماعية والاقتصادية في بلاده.

على الصعيد الإقليمي، فإن اليسار الجديد بجناحيه «الراديكالي والإصلاحي» يتبنى رؤية إقليمية متشابهة إلى حد كبير ولكن بآليات مختلفة، وحسب مصالح وظروف كل منهما، إلا أنهما في نهاية المطاف يعملان للوصول إلى هدف الوحدة الإقليمية الشاملة لكل دول القارة اللاتينية.

البحث عن القواسم المشتركة:

لا يمكن فهم الديناميكية السياسية في أمريكا اللاتينية اليوم إلا بتجاوز التصريحات الرنانة والشعارات الجوفاء الواسعة الانتشار في بلادنا، كما أنه غير كاف لتحليل سياسات هذه الحكومات من خلال مؤشر السياسة الوطنية، فلا مناص من النظرة التحليلية للمبادرات الإقليمية لطرفي اليسار الجديد في القارة، هذه المبادرات التي شكلت أهم آليات المواجهة الأمريكية اللاتينية للهيمنة الأمريكية الشمالية.

جاء الاتفاق حول ضرورة الوصول بالقارة اللاتينية إلى الوحدة والتكامل، من المعاناة المشتركة التي أفرزت أحزاب اليسار على اختلاف تياراتها، إذ يدرك الجميع حجم المشاكل التي تسببت فيها سياسات الليبرالية الجديدة، وأوصلت الأوضاع السياسية والاقتصادية في القارة إلى حافة الهاوية. فصعود هذه الأحزاب ـ في حد ذاته ـ انعكاس طبيعي للتمرد الشامل في البلاد وعدم قدرة الشعوب اللاتينية على التفاعل مع «أسطورة الليبرالية الجديدة» التي رسمت ملامحها، ونفذتها فوق ترابهم الوطني الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1980.. فواشنطن ومؤسساتها المالية، مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، سعت وتسعى إلى دفع التجارة الحرة والخصخصة وإعادة الهيكلة، والتوجيه المالي لسداد الديون من الخدمات الأساسية للدول، كوسيلة لتحقيق التقدم والازدهار من خلال فتح اقتصادها على «المنافسة» و«كفاءة» قوى السوق، وفي إطار ما وعدت به دول القارة من نمو اقتصادي يحد من الفقر.

وصل الأمر، والنتائج في نهاية المطاف إلى قفز معدل الفقر بحلول عام 1995 إلى 48 % بين سكان أمريكا اللاتينية، وأفرزت النيوليبرالية العديد من المشكلات التي نتجت عن زيادة سيطرة الشركات العابرة للقومية، خاصة الشركات الأمريكية، على اقتصادات القارة، فبين عامي 1995 و2005، امتلكت الشركات العملاقة أربعة آلاف من البنوك، وشركات الاتصالات، والنقل، والبترول، والتعدين في كافة أنحاء القارة اللاتينية.. وهو ما خلق الأرضية المشتركة التي حملت اليسار الجديد، وارتفعت به إلى الفوز في أغلبية المقاعد البرلمانية، كما أنها كانت الدافع الرئيسي لليساريين الراديكاليين والإصلاحيين للسعي إلى الوحدة الإقليمية اللاتينية.

البديل الإقليمي البوليفاري «ألبا»:

في قمة الأمريكيتين، كانون ثاني 2005، في الأرجنتين تقدمت الولايات المتحدة بمبادرة من أجل إقامة «منطقة التجارة الحرة للأمريكيتين» التي تعد الخطوة الرئيسية لإزالة الحواجز أمام الشركات الأمريكية في أمريكا اللاتينية.

بالرغم من تعليق هذه المفاوضات في أواسط عام 2004 مع حكومات البرازيل، والأرجنتين، وفنزويلا، وبوليفيا، وأوروغواي، حيث رفضت حكومات هذه البلدان التفاوض على مستقبل شعوبها البعيد، وفي قمة الأرجنتين عام 2005 عارضت الحكومات اللاتينية المبادرة الأمريكية، وصممت على عدم التراجع عن موقفها.. الأمر الذي أدهش الرئيس بوش آنذاك.. ويمكن اعتبار الرئيس الفنزويلي تشافيز من أكبر المعارضين لمنطقة التجارة الحرة للأمريكيتين، وقد عملت حكومته على بلورة البديل لهذا المشروع، فكان البديل الإقليمي البوليفاري «ألبا» وتعني بالإسبانية «الفجر»، وألبا تكتل طرح كبديل لمنطقة التجارة الحرة وعلى أساس التعاون والتكامل الاقتصادي بين بلدان أمريكا اللاتينية.. وتحت رعاية «ألبا» تعززت أوجه التعاون الإقليمي في كافة المجالات، مثل الصناعات البتروكيماوية، ومحو الأمية، ووسائل الإعلام، والقطاع المالي، والاقتصادي، والصحي.

فالكفاح من أجل الاستقلال عن السيطرة الأمريكية الشمالية، لا بد أن يقود ـ بدون شك ـ  نحو الوحدة الإقليمية اللاتينية التي تشمل الاستقلال الاقتصادي، والسياسي، والعسكري والثقافي، وأصبح بديهياً أن يتضمن البرنامج الانتخابي لأحزاب اليسار الجديد المساعي الحثيثة من أجل تعزيز الوحدة، والاستقلال الاقتصادي، والسياسي، ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة مكسيكو هينز ديتريش: «إن توحيد بلدان أمريكا اللاتينية هو أكبر تهديد للولايات المتحدة، فقضية الاستقلال لم تعد قضية وطنية فحسب، بل أصبحت إقليمية أيضاً، فإذا استطاعت الدول اللاتينية أن تصل إلى تكامل إقليمي حقيقي، فإن مقاومتها للتبعية الأمريكية ستكلل بالاستقلال التام على كافة الأصعدة.

وسواء اختلفت تيارات اليسار الجديد في التوجهات السياسية الداخلية والخارجية أم اتفقت، فإنها في النهاية تشكل انعكاساً حقيقياً لواقع مجتمعاتها وقراراتها الوطنية المستقلة.. فهي كثيراً ما تشبه شعوبها، ومن يمعن النظر في تكوين هذه الأحزاب اليسارية، يجدها تتضمن معظم فئات المجتمع اللاتيني تقريباً بقسماته وملامحه الاجتماعية والثقافية والسياسية.

في إطار التعاون بين طرفي اليسار، فإن هامش التفاهم بينهما كبير، وتتم الكثير من الاتفاقيات بين دولهما بشكل ثنائي أو جماعي. أما بالنسبة لنموذجي البرازيل وفنزويلا، فإن كلاً منهما يتعاون مع الآخر على عدة مستويات، بل ويدخلان في الكثير من المشروعات والاتفاقيات التي تضم الدول اليسارية من التيارين. وقد دافع الرئيس تشافيز في أكثر من مناسبة عن الرئيس لولا دي سيلفا وحاول تهدئة موقف اليسار الراديكالي منه، ويهدف الرئيس تشافيز من ذلك التأكيد على أن اليسار اللاتيني الحاكم حالياً في أغلب دول القارة هو يسار موحد، إيماناً منه بأن تعاون قوى اليسار الإصلاحي واليسار الراديكالي يمكن أن يفتح الطريق أمام تحقيق حلم الوحدة الأمريكية الشاملة.

الآليات المشتركة لاتحاد الأمم الأمريكية اللاتينية

اتفقت أحزاب اليسار الجديد في أمريكا اللاتينية على ضرورة دمج وتوحيد الكتلتين الاقتصاديتين في القارة لتشكيل قوة اقتصادية موحدة على غرار الاتحاد الأوروبي، تعزيزاً لعملية النمو الاقتصادي، وكآلية للوصول إلى استقلال اقتصادي قومي يدعم القوى اليسارية في القارة. جاء هذا الاتفاق في إطار المساعي المشتركة لفريقي اليسار الحاكم في القارة نحو التكامل الإقليمي. فتكون «اتحاد أمريكا اللاتينية» في أيار 20087 من 12 دولة لاتينية، وهو – ككتلة ـ يعد خامس أكبر ناتج محلي إجمالي في العالم، إضافة إلى أنه المنتج الأكبر للغذاء، ويمتلك احتياطي هيدروكربون يكفي لمدة 100 عام. ويعتبر تأسيس الاتحاد استمراراً ديناميكياً نحو تعاون إقليمي يمكن أن يفتح التطور على الصعيد السياسي، ويتمحور نجاحه اقتصادياً في هزيمة منطقة التجارة الحرة للأمريكيتين «فتا». كما يشكل الاتحاد صيغة بديلة لوحدة إقليمية، تواجه محاولات واشنطن لصياغة هذه الوحدة في إطار سيطرتها ونفوذها الاقتصادي والسياسي.

على كل حال، لا يزال اليسار الأمريكي اللاتيني ـ بتياريه ـ يواجه الكثير من التحديات، وهو في طريقه للوحدة الإقليمية، من أهمها سعي الولايات المتحدة إلى تقسيم وتفتيت التيارات والأحزاب الداعمة للتكامل، والعمل على تسليح الموالين لسياساتها والمناهضين للعمل الإقليمي اللاتيني، الأمر الذي يعتبر بمثابة التحدي الرئيسي أمام اليسار الجديد الحاكم في العديد من بلدان القارة.

كل ذلك يستدعي دعم المؤسسات الإقليمية مثل «الميركوسور» وهي السوق المشتركة لبلدان القارة، لأنها تمثل بدائل حقيقية لـ «فتا»، ولأنها نقلة نوعية للوصول إلى اتحاد فعال وجاد بين الدول الأمريكية اللاتينية، مما ينشط بدوره علاقات القوى بعيداً عن تسلط القيادة الأمريكية الشمالية، وأيضاً حماية اتحاد الأمم الأمريكية اللاتينية من الانقسام، ليس الانقسام ما بين يسار راديكالي ويسار إصلاحي فحسب، بل تحدي القوى النيوليبرالية في القارة الموالية للولايات المتحدة، والتي تشكل عائقاً أمام إنجاز الوحدة الإقليمية للأمم اللاتينية.. كما يستدعي أيضاً، دعم الحركات الاجتماعية الناهضة في معظم دول القارة لاستمرارية تعبئة العمال والفلاحين والمثقفين وسكان البلاد الأصليين، هذا الدعم الذي تحتاجه الأحزاب المضطهدة من أجل الوصول إلى الحكم من خلال تصويت هذه الكتل الشعبية المضطهدة لصالح هذا الحزب أو ذاك، وأيضاً لخلق قاعدة راسخة للتغيير الاجتماعي والسياسي والثقافي في القارة، وبما يعزز فرص التضامن والوحدة بين الشعوب الأمريكية اللاتينية.

 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة

2003-2007