|
السؤال إذن هو
لماذا كان علينا أن نرفض مدريد..ومن ثم أوسلو؟
ثم ماذا بعد: ما
العمل؟ كيف يجب أن نستمر في مقاومة ما حدث ومهاجمته بقوة وتصميم بغرض فكفكته،
وإحباطه ودحضه نهائيا كخيار مسموح لنا باعاستمراره،لا: في الاستعمار وطرائقه:
الطريق إلى مدريد !
يصل المُسْتعمِرْ
في مرحلة من مراحل استعمره إلى قناعة بضرورة تغيير طرائقه في التحكم بالمُستعمَر،
للإبقاء على استمراره ، وهذا الإدراك وهذه القناعة تأتي من حالات ثلاث:
1- إن أدوات
المُستعمِر وطرائقه نفذت ما عليها ودورها بكفاءة، فاستنفذت هذا الدور ولم يبق لها
ما تفعله، فكان لابد من ابتداع طرائق جديدة وأساليب تحكم جديدة.
2- إنها (الأدوات)
فشلت في تحقيق أهدافها فكان لابد من ابتداع وسائل أخرى تحقق هذه الأهداف .
3- تغييرات جذرية في
الظرف الخارجي والداخلي العام تفرض على المحتل أن يغير طرائقه، أو يتخلى عن دوره
كمحتل.
ومن العسف محاولة
الفصل الميكانيكي بين الحالات الثلاث لأنها قد تجتمع معاً لتؤدي وظيفة مطلوبة كما
في حالة الاحتلال الصهيوني.
ولأن إسرائيل، حالة
استعمار نموذجية بخصوصية معينة، فهي تخضع للآليات ذاتها ولكن لا يمكن رؤية التحولات
في علاقة المٌستعمِر الإسرائيلي بالمٌستعمَر الفلسطيني دون ربطها بالعلاقة الحيوية
بين إسرائيل والإمبريالية العالمية ممثلة بمركزها الولايات المتحدة.
ومن نافل القول
أن نردد أن المصالح لابد أن تتكامل وأن ترتبط ارتباطاً جذرياً وأن أي تغيير في
السياسة الأمريكية ومصالحها العالمية، لابد أن يرتبط باستجابة وتكيف إسرائيليين
(كما هو حال باقي المراكز الإمبريالية) لتتمكن من العمل على مصالحها ضمن الفضاء
الإمبريالي العام بأقصى قدر ممكن من الأرباح ومن هنا كانت حرب الخليج الثانية( بغض
النظر عن مقدماتها وأخطاء ضحاياها) افتتاحاً عادياً – في السياق الاستعماري –
لعملية تأهيل البنية العالمية لقبول الهيمنة بشكل كامل، ودون عقبات، هنا يحضر
النفط، وتحضر الأسواق ، وكلاهما لابد من حمايتها بالقوة العسكرية، وبرأيي أن كل هذه
العملية تنطوي على فكرة استعمارية نموذجية - بمعنى أنها ليست جديدة أو مبتدعة فهي
تاريخية بمعنى الاستمرار في الزمن- هي( فرض النموذج) أو ما يتعارف عليه الآن
بالأمركة وربما العولمة.
ولـ ( فرض النموذج)
لابد من عملية إخضاع مستمرة ، تعيد تشكيل العلاقة بين المٌستعمِر و المٌستعمَر بشكل
(حداثي) فمن جهة أولى يقبله المٌستعمَر، أي يقبل وضعيته كمٌهيمَن عليه دون وعي
بآليات الهيمنة وأساليبها، ودون تماس مع القوة العسكرية المٌستعمِرة، الحامي
الحقيقي والوحيد لهذه الآليات، ومن جهة ثانية بما يستجيب لتطور البنية العملية
والفكرية والأخلاقية للمٌستعمِر منعاً لوصوله إلى حالة رفض الذات. ومن هنا لم تكن
حرب الخليج الثانية مجرد درس عادي في السلوك الحسن من مدرس( متحضر) من الغرب
لديكتاتور شرقي نموذجي ، وليست أيضاً مجرد مواجهة بين نظامين يحملان راية الشمولية
كل على هواه وبمفاهيمه، على حد تعبير الراحل إدوارد سعيد، وإنما كانت رسالة متعددة
الاتجاهات للجميع: أن لا خروج عن النمط، ولابد من أن يقبل الجميع بالنموذج
المنتقى، ولم يكن من فراغ قول جيمس بيكر أن الهزيمة لم تكن للعراق فقط وإنما للعرب
جميعاً وهذا صحيح بشكل كامل للأسف، ومدريد خير دليل على ذلك.
ولعلي أعممخليج
الأولى بداية مرحلة جديدة في البربرية الإمبريالية، خاتمة دموية لعهد دموي وافتتاح
دموي لعهد بربري جديد لم ينتهي بسقوط بغداد وليس عدوانا تموز على لبنان وكانون أول
على غزة وما سبقهما من سور واق وكشف حساب وغيرها إلا حلقات من حلقاته الكثيرة.
ولعلي أعمم
(وقبلها أُذكر) أن قصف صربيا لم يكن مجرد درس آخر لديكتاتور شرقي ( أرثوذكسي) آخر
وإنما كانت قصفاً معنوياً لأوروبا كلها لا خيار خارج نموذج الهيمنة الأمريكية
وأننا ( جماعة العم سام) سنبقى عنصر أساسي في معادلة أوربا.
هذا بالضبط ما
فعلته حرب الخليج الأولى وختمت تأكيداته ثانيتها بالشمع بل بالدم الأحمر القاني،
إعادة تقديم إسرائيل كبؤرة مركزية في المعادلة المنطقية ( من منطقة) لا فكاك منها،
ومن هنا جاء دخولنا مدريد( كعرب وفلسطينيين عموماً) دخول الهزيمة، ليس التعادل،
دخول من سيدفع، فالمنتصرون لا تأخذهم الرأفة عادة بأعدائهم فتلك سنة البربرية:
العدو المهزوم إما أن يباد أو يؤخذ عبداً لحراثة الحقل!! |