i
       

 

 

 

 
??ɠ???
أحمد.م.جابر
في ذكرى انطلاقتها لماذا رفضت الشعبية مدريد ثم أوسلو ولماذا يجب أن تتمسك برفضهما

تتجاوز المجزرة المزدوجة التي نفذتها قوات الاحتلال في نابلس وقطاع غزة وراح ضحيتها ستة مواطنين، في دلالاتها، مجرد تصرف أمني استدعته الضرورة، أو حتى عنجهية ضباط وجنود في الميدان يريدون التذكير بسيطرتهم من وقت لآخر.

فهذه المجزرة، التي تعد بسيطة في سجل الاحتلال الفاشي (مع الاعتذار عن التبسيط الشكلي) إلا أنها تتجاوز بساطتها العددية (مقارنة بغيرها من جرائم) لتصل إلى محاكمة جوهر الاحتلال، بل جوهر العلاقة الأمنية بين السلطة الفلسطينية والجهاز الصهيوني، وصولا إلى جوهر الاتفاقات التي تحكم هذه العلاقات وتديرها.

تحدي المنطق في هذه المجزرة يأتي من جانبين، الأول أنه يأتي في ظل تعمق التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية لسلطة رام الله، وبين الجهاز الأمني والجيش الصهيوني من جهة، وفي ظل عدم سقوط أي مدني أو عسكري إسرائيلي لمدة عام كامل سواء على جبهة غزة أو الضفة، وفي ذكرى مرور عام على الحرب الإسرائيلية على القطاع من جهة أخرى!!  بل وفي مفارقة أن الثلاثة المغدورين في الضفة هم من أولئك الذين «منحوا عفوا» عن أفعالهم (النضالية) من قبل عدوهم!! ومن جانب مواز تأتي في ظل تأكيدات الرئيس عباس أنه لن يسمح باندلاع انتفاضة ثالثة في عهده، بل وتراجعه عن تصريحات سابقة حول عدم جدوى المفاوضات بتصريحه أنها خياره السياسي الوحيد.

ولعل السؤال المطروح الآن هو عن الطريق التي يتحول الناس عبرها إلى التفكير بهذه الطريقة، طريقة أن يكونوا مهزومين سلفاً، وغير عابئين حتى باستفزازات جلاديهم لجعلهم يتمرون ولو مرة واحدة!!

وهذا السؤال هو انعكاس مرآة في الحقيقة لسؤال آخر- لعله بلاغي - ، مفاده أن لماذا على أولئك الذين رفضوا هذا الطريق (نتحدث هنا طبعا عن مدريد ثم أوسلو) أن يواصلوا رفضه، بل ومناجزته حتى دحضه بالكامل، وفي المقابل على أولئك الذين تبعوا رياح الهزيمة  فسلموا (ولم يسالموا) في مدريد ثم أوسلو أن يراجعوا خياراتهم بل وأن يعلنوا أشد الندم على هذه الخيارات، أليس هذا أقل القليل الذي تستحقه عائلات آخر ستة في سجل الدم الفلسطيني.

السؤال إذن هو لماذا كان علينا أن نرفض مدريد..ومن ثم أوسلو؟

 

ثم ماذا بعد: ما العمل؟ كيف يجب أن نستمر في مقاومة ما حدث ومهاجمته بقوة وتصميم بغرض فكفكته، وإحباطه ودحضه نهائيا كخيار مسموح لنا باعاستمراره،لا: في الاستعمار وطرائقه: الطريق إلى مدريد !

  يصل المُسْتعمِرْ في مرحلة من مراحل استعمره إلى قناعة بضرورة تغيير طرائقه في التحكم بالمُستعمَر، للإبقاء على استمراره ، وهذا الإدراك وهذه القناعة تأتي من حالات ثلاث:

 

1- إن أدوات المُستعمِر وطرائقه نفذت ما عليها ودورها بكفاءة، فاستنفذت هذا الدور ولم يبق لها ما تفعله، فكان لابد من ابتداع طرائق جديدة وأساليب تحكم جديدة.

2-  إنها (الأدوات) فشلت في تحقيق أهدافها فكان لابد من ابتداع وسائل أخرى تحقق هذه الأهداف .

3- تغييرات جذرية في الظرف الخارجي والداخلي العام تفرض على المحتل أن يغير طرائقه، أو يتخلى عن دوره كمحتل.

 ومن العسف محاولة الفصل الميكانيكي بين الحالات الثلاث لأنها قد تجتمع معاً لتؤدي وظيفة مطلوبة كما في حالة الاحتلال الصهيوني.

ولأن إسرائيل، حالة استعمار نموذجية بخصوصية معينة، فهي تخضع للآليات ذاتها ولكن لا يمكن رؤية التحولات في علاقة المٌستعمِر الإسرائيلي بالمٌستعمَر الفلسطيني دون ربطها بالعلاقة الحيوية بين إسرائيل والإمبريالية العالمية ممثلة بمركزها الولايات المتحدة.

 

   ومن نافل القول أن نردد أن المصالح لابد أن تتكامل وأن ترتبط ارتباطاً  جذرياً وأن أي تغيير في السياسة الأمريكية ومصالحها العالمية، لابد أن يرتبط باستجابة  وتكيف إسرائيليين (كما هو حال باقي المراكز الإمبريالية) لتتمكن من العمل على مصالحها ضمن الفضاء الإمبريالي العام  بأقصى قدر ممكن من الأرباح ومن هنا كانت حرب الخليج الثانية( بغض النظر عن مقدماتها وأخطاء ضحاياها) افتتاحاً عادياً – في السياق الاستعماري – لعملية تأهيل البنية العالمية لقبول الهيمنة بشكل كامل، ودون عقبات، هنا يحضر النفط، وتحضر الأسواق ، وكلاهما لابد من حمايتها بالقوة العسكرية، وبرأيي أن كل هذه العملية تنطوي على فكرة استعمارية نموذجية - بمعنى أنها ليست جديدة أو مبتدعة فهي تاريخية بمعنى الاستمرار في الزمن- هي( فرض النموذج) أو ما يتعارف عليه الآن بالأمركة وربما العولمة.

ولـ ( فرض النموذج) لابد من عملية إخضاع مستمرة ، تعيد تشكيل العلاقة بين المٌستعمِر و المٌستعمَر بشكل (حداثي) فمن جهة أولى يقبله المٌستعمَر، أي يقبل وضعيته كمٌهيمَن عليه دون وعي بآليات الهيمنة وأساليبها، ودون تماس مع القوة العسكرية المٌستعمِرة، الحامي الحقيقي والوحيد لهذه الآليات، ومن جهة ثانية  بما يستجيب لتطور البنية العملية والفكرية والأخلاقية للمٌستعمِر منعاً لوصوله إلى حالة رفض الذات. ومن هنا لم تكن حرب الخليج الثانية مجرد درس عادي في السلوك الحسن من مدرس( متحضر) من الغرب لديكتاتور شرقي نموذجي ، وليست أيضاً مجرد مواجهة بين نظامين يحملان  راية الشمولية كل على هواه وبمفاهيمه، على حد تعبير الراحل إدوارد سعيد، وإنما كانت رسالة متعددة الاتجاهات للجميع: أن لا خروج عن النمط، ولابد من أن يقبل  الجميع بالنموذج  المنتقى، ولم يكن من فراغ قول  جيمس بيكر أن الهزيمة لم تكن للعراق فقط وإنما للعرب جميعاً وهذا صحيح بشكل كامل للأسف، ومدريد خير دليل على ذلك.

 ولعلي أعممخليج الأولى بداية مرحلة جديدة في البربرية الإمبريالية،  خاتمة دموية لعهد دموي وافتتاح دموي لعهد بربري جديد لم ينتهي بسقوط بغداد وليس عدوانا تموز على لبنان وكانون أول على غزة وما سبقهما من سور واق وكشف حساب وغيرها إلا حلقات من حلقاته الكثيرة.

   ولعلي  أعمم  (وقبلها أُذكر) أن قصف صربيا لم يكن مجرد درس آخر لديكتاتور شرقي ( أرثوذكسي) آخر وإنما كانت قصفاً معنوياً لأوروبا  كلها لا خيار خارج نموذج الهيمنة الأمريكية وأننا ( جماعة العم سام) سنبقى عنصر أساسي  في معادلة  أوربا.

   هذا بالضبط ما فعلته حرب الخليج الأولى وختمت تأكيداته ثانيتها بالشمع بل بالدم الأحمر القاني، إعادة تقديم إسرائيل كبؤرة مركزية في المعادلة  المنطقية ( من منطقة) لا فكاك منها، ومن هنا جاء دخولنا مدريد( كعرب وفلسطينيين عموماً) دخول الهزيمة، ليس التعادل، دخول من سيدفع، فالمنتصرون لا تأخذهم الرأفة عادة بأعدائهم فتلك سنة البربرية: العدو المهزوم إما أن يباد أو يؤخذ عبداً لحراثة الحقل!!

ومن هذا المنظور يبدو اجتماع مدريد أشبه باجتماع (يالطا ) عندما اجتمع المنتصرون في الحرب الثانية ليعيدوا ترتيب العالم، وحضر العالم ليصفق لسادته الجدد!

الغريب أن ثمة ثقافة تكاد تتحول إلى سائدة،  تقول أن مدريد كان خياراً صائباً وأن الخطأ في أسلو، وهذا القول ملفق جملة وتفصيلاً ، فإذا كان اجتماع مدريد أصلاً جاء جواباً خاطئاً على مسألة صحيحة والمسألة الصحيحة هي هزيمة العرب وترديهم وهي صحيحة لأنها مطروحة من الواقع، أما الجواب، الخاطئ فهو الذي يهرب من جدلية العلاقة  بين الهزيمة وأدوات النهوض ووسائل مغادرتها، ليلجأ  إلى حل ملفق أو سحري عنوانه ( سلام الشجعان) أو أي سلام آخر.

مدريد كانت خياراً تصفوياً على عدة  جبهات: قطع الطريق على تشكل نهوض عربي واع يقطع مع الهزيمة، في ظل ظرف موضوعي مآت، ثم تدمير الانتفاضة الأولى وهذا كان له خصوصية على الجبهة الفلسطينية.

 

أوسلو: الهزيمة الكاملة

كان لابد لبدايات مدريد أن  تؤدي إلى نهاية مثل أوسلو.كان الراحل جورج حبش يردد دائما « إن العدو لايمكن أن ينسحب إلا إذا تحول مشروعه الاحتلال إلى مشروع خاسر، وكلمة خسارة تنطبق على اتجاهات عدة، بشرية واقتصادية وأخلاقية».

ولكن إذا كان الانسحاب، أي التخلي عن قرار الاحتلال ( وليس إعادة ترتيبه وتكييفه كما يحدث الآن) هو النتيجة الطبيعية لخسران الاحتلال، فإن هناك شرطاً لابد منه لتتحق المعادلة الصحيحة شكلاً، وهذا الشرط هو أن المحتل أي المٌستعمَر ، يمتلك القوة الكافية لتحويل  خسارة المٌستعمِر إلى انتصار، فخسارة الأخير ليست شرطاً لانتصاره، فإذا لم يكن هذا المٌستعمَر  ممتلكاً الوسائل لإمساك لحظة النصر فهو لن يتمكن منه، وأكثر من ذلك لايستحقه!!

ونأخذ مثلاً جنوب إفريقيادرساً فذاًام  العنصري إلى الخسارة،وهي مرت بمراحل، لم يكن الطرف الآخر قادراً على الإمساك بلحظة الانتصار فعمد النظام إلى تكييف نفسه عبر وسائل مختلفة منها مثلاُ نظام البانتوستان( الذي تتم إعادة اختراعه في فلسطين الآن) وهو نظام يريح المٌستعمِر ويبقيه في آن معاً ، يخلق أدوات استعماره من صفوف المٌستَعمَرين.

لم يكن مقدراً للخسارة أن تتحول إلى هزيمة شاملة وسقوط مدوٍ لولا الكفاح البطولي لمانديلا ورفاقه، عندما تمكنوا من إمساك شرط الانتصار عبر رفض كل المساومات العنصرية والتمسك بانتصار شامل ونهائي.

تقدم تجربة جنوب إفريقيا درساً  فذاً ونموذجاً لهذه المعادلة التي طرحها الحكيم بل طرحها قبله تاريخ البشرية.

 

والآن لنفحص حالتنا:

كانت الانتفاضة الأولى قد حققت تقدماً ملحوظاً ( أرجو ملاحظة أنني لا أقول انتصارا)  على صعد شتى بدءاً من تدمير الصورة الأخلاقية لإسرائيل وانتهاءً بخلخلة الاقتصاد مروراً بفضح  عجز الجيش عن مواجهة عصيان جماهيري أعزل، المٌستعمِر إذن بدأ يخسر، وبدأ يبحث عن وسائل لتلافي الهزيمة، بأقل قدر من الخسائر.

   وجاءت الفرصة ( لا أعرف حقاً إن كانت موضوعية أم شيئاً آخر) بالمغامرة العراقية الحمقاء في الكويت، لتتحول الأنظار دفعة واحدة إلى مكان آخر، وفي الحقيقة، لم يكن مجرد تحول في الأنظار، بل تحول في السياسة أيضا.

حيث وجدت م.ت.ف نفسها في وضع لا تحسد عليه، وانجرت قيادتها المتنفذة بغباء ولاعقلانية وراء ديماغوجية صدام حسين، وهذا متوقع من الجماهير، فللدبماغوجية إغوائها أيضاً، أما من قيادة سياسية مسؤولة عن مستقبل شعب، فهذا غير مقبول، ويعكس إن عكس شيئاً حالة  اللايقين التي تحملها أيديولوجية منظمة  التحرير وفصائلها، فالحرية والدفاع عنها لايتجزآن ،لا تستطيع أن تكون ديمقراطياً مع البيض، وعرقياً مع السود، تطالب بحريتك وتناهض حرية أهل الكويت (بغض النظر عن رأيك بنظامهم) فتلك  مقولة استعمارية.

 
 

 

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½

2003-2007