??ɠ???
عليان عليان
قراءة في واقع منظمة التحرير وآفاق مشروعها الوطني منذ أوسلو وحتى اللحظة الراهنة

 لم يغير اجتماع المجلس الوطني الأخير في رام الله لاستكمال أعضاء اللجنة التنفيذية بعد أن غيب الموت ستة من أعضاء هذه اللجنة, من حال المنظمة المتهاوي، والمتهالك , وإن كان قد وفر النصاب الكامل لعقد اجتماعاتها, على الرغم  من أن الدكتور أنيس القاسم – واضع النظام  الاساسي لمنظمة التحرير – طعن في شرعية هذا الاجتماع لأنه استند إلى المادة 14, فقرة ( ج ) من النظام الأساسي للمنظمة لاستكمال  (الثلث) والتي تدعو لعقد الاجتماع  بمن حضر, في حين أن استكمال الثلث يستدعي وفق النظام الأساسي تطبيق الفقرة (ب) من المادة ( 14 )  التي تنص على الدعوة لعقد المجلس للانعقاد خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يومياً من واقعة الشغور, إذا كانت الحالات الشاغرة تساوي ثلث اعضاء اللجنة التنفيذية، أو أكثر, وليس في فترة زمنية قصيرة  كما جرى في اجتماع المجلس في  رام الله  في  السادس والعشرين من شهر آب الماضي , وذلك لتأمين حضور أكبر عدد ممكن من الأعضاء لتوفير النصاب القانوني للاجتماع , بحيث يتحقق الهدف منه .

    صحيح أن لا أحد  يشكك في مرجعية منظمة التحرير بوصفها الممثل الشرعي والوحيد لشعب الفلسطيني, وضرورة الحفاظ على هذه المرجعية, بوصفها الإطار الجبهوي للشعب الفلسطيني وقواه السياسية, والوطن المعنوي للشعب الفلسطيني, حيث قدم الشعب الفلسطيني آلاف الشهداء والأسرى من أجل الحفاظ على هذه المرجعية, بما مثلته من الحفاظ على الهوية الوطنية في مواجهة محاولات الطمس والتذويب, وحتى تشكل رأس حربة للأمة في معركة التحرير والحرية والاستقلال .

لكن هذا الكيان الجبهوي « م ت ف » ليس مطلوبا لذاته, إنما هو أداة لتحقيق الأهداف الوطنية التي تم إنشاء منظمة التحرير من أجلها, وبالتالي لا يجوز بأي حال من الأحوال اعتبار نقد سياسات القيادة المتنفذة في م ت ف وكأنه معولُ هدم للمنظمة كما يحلو للبعض أن يصور ذلك .

 

استخدام المنظمة للخروج عن البرنامج والميثاق

إنَّ القراءة الموضوعية لواقع منظة التحرير بعد توقيع اتفاقات أوسلو على وجه التحديد عام 1993, يؤكد أن هذه المنظمة - التي أصبحت حركة التحرير الوطنية الرئيسية بعد انتصار جبهة التحرير الوطني الفيتنامية -, جرى توظيفها من قبل القيادة اليمينية المتنفذة خارج السياق الذي أقيمت من أجله, للولوج في حل يستجيب للشروط الأمريكية, فكان الاعتراف بحق ( إسرائيل ) بالوجود ونبذ الإرهاب   (المقاومة ) في الرسالتين المتبادلتين بين عرفات ورابين, مقابل الاعتراف بالمنظمة كممثل للفلسطينيين, وكان قيام سلطة الحكم الذاتي  في الضفة والقطاع  وترحيل قضايا الصراع الجوهرية ( القدس واللاجئين والحدود والمياه  )  إلى مفاوضات الحل النهائي دون إسنادها بقرارات الشرعية الدولية ذات العلاقة, وجعل الولايات المتحدة وميزان القوى المرجعيتين الحقيقيتين للمفاوضات, وكان كذلك تقسيم الضقة الغربية إلى مناطق ( ايه , بي , سي )  كل ذلك وفقاً لاتفاق أوسلو (1) وأوسلو( 2)، ( اتفاق القاهرة عام 1995 ) والاتفاقات اللاحقة في طابا، وواي ريفر، وغيرهما .

   ويمكننا الاستخلاص بكل موضوعية أن الانتفاضة الفلسطينية الأولى ( 1987 – 1993 ) التي نقلت الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني من دائرة الإمكانية التاريخية إلى حيز الإمكانية الواقعية - على حد تعبير الدكتور جورج حبش  - قد تم قبرها باتفاقات أوسلو التي جرى توظيف المجلس المركزي الفلسطيني لتمريرها, مثلما جرى توظيف المجلس الوطني لاحقاً عام 1996 لقبر البنود الاساسية للميثاق الوطني الفلسطيني, حيث جرى في دورة غزة إلغاء 12 مادة من الميثاق،  وتعديل 16 مادة أخرى،  ليتبقى فقط ( 5 ) مواد تنظيمية إدارية من أصل ( 33 ) مادة.. وبالتالي فإن منظمة التحرير تحولت بشكل صريح إلى حالة استخدامية لتمرير برامج ومشاريع لا تمت بصلة للمشروع الوطني الفلسطيني بعناوينه المعروفة .

 

لماذا التحول في دور المنظمة ؟

 

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : لماذا هذا التحول في دور المنظمة ؟

هذا التحول في دور المنظمة راجع لعدة عوامل أبرزها :

أولاً : تراجع دور القوى الديمقراطية اليسارية الفلسطينية, وفشلها في لجم اندفاع اليمين نحو مشروع التسوية الأمريكي, وهذا يرجع أيضاً لفشلها في انجاز وحدتها في إطار م. ت .ف ولعب بعض أطرافها دوراً انتهازياً لصالح اليمين، وتقاعسها عن طرح البديل الجماهيري المقاوم لأوسلو وتداعياته .

ثانياً : تركيبة مؤسسات المنظمة وميزان القوى فيها ( المجلس الوطني, المجلس المركزي , اللجنة التنفيذية ) كانت ولا تزال تميل بشكل صارخ لصالح اليمين, بحيث يستطيع أن يصنع القرار الذي يريد.

ثالثاً :  الاستثمار المتسرع من قبل القيادة المتنفذة للانتفاضة،  خشية من ضياع فرصة التسوية المأمولة،  إثر لقاءات ياسر عبد ربة مع السفير الأمريكي في تونس آنذاك روبرت بليترو .

رابعاً : الحيلولة دون أن تؤثر القوى الإسلامية  ( حركة حماس والجهاد الإسلامي ) من خلال دورها المقاوم والمتنامي آنذاك عبر كم وكيف من العمليات الاستشهادية، على مسار عملية أوسلو .

خامساً : كما أن الظروف الموضوعية ممثلة بانهيار الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية،  وما آلت إليه الأمور في العراق بعد العدوان الثلاثيني عليه عام 1991 سهلت مهمة اليمين للذهاب بعيداً في مشروعه التسووي, في حين انكشف ظهر القوى اليسارية والقومية  .

    وما يجب الإشارة إليه  أيضاً أنه بعد فشل مشروع أوسلو في تنفيذ الاستحقاق المطلوب منه عام 1999 بشأن  الدولة الفلسطينية, والشروع في التفاوض حول قضايا الحل النهائي, ومن ثم المحاولة الصهيو – أمريكية لحشر الرئيس الراحل ياسر عرفات في الزاوية في مفاوضات كامب ديفيد (2) لدفعه للتنازل عن حق العودة وتقديم تنازلات جوهرية في موضوع القدس،  اندلعت الانتفاضة الثانية (الأقصى ) كرد جماهيري على محاولات  تصفية القضية الفلسطينية،  بعد انكشاف بؤس خيار أوسلو .

انتفاضة الأقصى لم تغير واقع المنظمة وبرنامج أوسلو

 

  هذه الانتفاضة التي انتقلت إلى حالة العمل العسكري المقاوم مبكراً جراء البطش العسكري الصهيوني المنفلت من عقاله, وضعت الكيان الصهيوني لأول مرة في مأزق وجودي جراء تكثيف العمل المقاوم في العمق الصهيوني،  حيث شهدت ساحة الداخل مباراة كفاحية  بين كتائب الأقصى، والقسام، و أبوعلي مصطفى، وسرايا القدس, لكنها لم تترك آثارها على المنظمة لا على صعيد البرنامج السياسي, ولا على الصعيد التنظيمي, فعلى الصعيد السياسي ظل برنامج أوسلو  على حاله, وعلى الصعيد التنظيمي بقيت أوضاع المنظمة على حالها من حيث الترهل، والتفرد، والهيمنة، والفساد  .

لقد سعت قوى اليمين المرتبط مصلحياً بالوضع القائم إلى قبر هذه الانتفاضة عبر مشاريع ميتشيل، وتينيت، وخطة خارطة الطريق واستغلت أحداث 11 سبتمبر لوقف الانتفاضة، للتخلص من تهمة الإرهاب – حسب زعمها – وتبعات هذه التهمة أمريكياً .

 كما دخلت هذه القوى في حالة تناقض مع الشريحة التي كان يمثلها الرئيس الشهيد عرفات،  الذي سعى للمزج بين المفاوضات والمقاومة فكان أن دفع الثمن لاحقاً بقتله بالسم الإسرائيلي.

   ومثلما نجحت قوى أقصى اليمين في إجهاض الانتفاضة الأولى عبر اتفاقات أوسلو, نجحت في إجهاض الانتفاضة الثانية عبر خطة خارطة  الطريق, بعد أن كشفت عن بالغ استعدادها في قمتي العقبة، وشرم الشيخ عام 2004  للتخلص من مشروع المقاومة  والعودة الى مرجعية أوسلو ومشتقاتها .

ويمكن تفسير استمرار نجاح قوى أقصى اليمين في برنامجها دون أدنى اكتراث للإنتفاضة ومفاعيلها, وعبر التلطي وراء اسم المنظمة وبرنامجها , بمايلي :

أولاً : إن شريحة طبقية برجوازية من أقصى اليمين  حققت مزايا اقتصادية هائلة من خلال تشابك مصالحها مع الاحتلال, ودخلت في حالة تناقض مع القيادة المتنفذة التي عملت على المزاوجة بين الإنتفاضة، والمقاومة، وبين المفاوضات, حيث كشفت الشريحة الأولى عن وجهها السافر في رفض الانتفاضة والمقاومة عبر مقالات، ومقابلات، وندوات، وعبر إعلان مدفوع الأجر نشر في أكثر من صحيفة بدعم معلن من الاتحاد الأوروبي, خشية منها من أن تنهي الانتفاضة ومفاعيلها مشروع أوسلو، وحوامل هذا المشروع، وما يرتبط بهذه الحوامل من مواقع وامتيازات ومصالح, وقد لقيت هذه الشريحة دعماً  هائلاً من الاتحاد الأوروبي،  والإدارة الأمريكية التي فرضت فرضاً على الرئيس عرفات موقع رئيس الوزراء لتجريده بالتدريج من صلاحياته .

ثانيا : إن قوى اليسار الفلسطيني وعلى رأسها الجبهة الشعبية, رغم أنها لعبت دوراً فاعلاً في انتفاضة الأقصى, إلا أنها لم تعمل على تثمير فعلها المقاوم, وفعل الانتفاضة ككل, إن على صعيد تجذير وتطوير البرنامج السياسي للمنظمة، والتخلص من استحقاقات أوسلو, وإن على صعيد اجراء تعديل نسبي في ميزان القوى داخل مؤسسات المنظمة .

ثالثاً : تقاعس القوى المؤتلفة في إطار منظمة التحرير كافة في تفعيل  المؤسسة التشريعية – رغم كل الملاحظات عليها – لتفصل في الخيارات السياسية المطلوبة في ضوء إنجازات الانتفاضة, وهذا التقاعس سهل مهمة قوى أقصى اليمين في الذهاب بعيداً في العمل على تصفية أهم ركائز المشروع الوطني الفلسطيني «حق العودة » من خلال وثيقة جنيف .

رابعا : ومثلما مكنت الظروف الموضوعية اليمين في مطلع التسعينات, من الولوج في مسار أوسلو إثر انهيار الاتحاد السوفياتي، والعدوان الثلاثيني على العراق, فإن الظروف المستجدة  بعد أحداث (11) سبتمبر عام 2000 وبعد احتلال كل من العراق وأفغانستان, ووصم الإدارة الأمريكية، وحلفائها المقاومة بالإرهاب, إضافة لاجتياح الضفة الغربية في عملية « السور الواقي », سهلت مهمة قوى أقصى اليمين في تبني خطة خارطة الطريق، التي تنص علناً على وقف الانتفاضة، والمقاومة كمدخل - حسب زعم الخطة – لإقامة الدولة الفلسطينية .

 

واقع المنظمة في مرحلة ما بعد عرفات

 

وبانتهاء مرحلة عرفات اثر استشهاده  في تشرين ثاني 2005 يمكن القول إن رأس منظمة التحرير بات مطلوباً للتصفية, بعد أن يجري توظيفها لتقديم التنازلات المطلوبة وبخاصة في قضية اللاجئين, كون منظمة التحرير تمثل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات, وعلى أن يجري إحلال السلطة الفلسطينية محلها, وبحيث يجري حصر القضية بالشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع, ومع ضرورة الإشارة هنا  إلى أن عرفات ساهم هو الآخر في تحجيم دور المنظمة لصالح السلطة القلسطينية في مرحلة سابقة ليس بهدف شطبها, بل  استجابة لضغوط أمريكية   من جهة, ومن جهة أخرى بهدف مماهاة السلطة بدولة يتربع على رئاستها.

وباستشهاد عرفات دخلت المنظمة في خانة الدور الوظيفي على طريق الإنهاء, من زاوية  تبعيتها للسلطة واستخدامها حتى خارج سياق برنامجها الأوسلوي، لما هو أهبط منه في مجال شطب حق العودة والمساومة على قضايا أساسية كالقدس والاستيطان, حيث لم تعد المنظمة في أدق التفاصيل مرجعية للسلطة الفلسطينية, بل أصبحت تابعة لها, من خلال تبعية الصندوق القومي الفلسطيني لوزارة المالية للسلطة التي تتلقى الدعم والموازنة من الدول المانحة, وأصبحت السلطة هي المعنية بتحديد السفراء بدلاً من الدائرة السياسية للمنظمة, وهي المعنية بتحديد من يمثل الشعب الفلسطيني في مؤتمرات القمة العربية وفي المحافل الاقليمية والدولية ........ألخ ألخ .

ومما سهل مهمة القائمين على السلطة في مرحلة ما بعد عرفات في توظيف المنظمة لصالح السلطة ومشاريعها, هو الحضور السياسي الكبير لقوى التيار الإسلامي وخاصة حركة حماس, وما شكلته من منافسة كبيرة على المرجعية, ذلك التنافس الذي نجم عنه حالات من التوتر والاشتباك والصراع الدموي .

لقد جرت محاولة من قبل الفصائل الفلسطينية لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية من خلال حوار جرى في القاهرة في مارس \ آذار 2005 نجم عنه إعلان القاهرة, الذي نص على تشكيل لجنة من رئاسة المجلس الوطني، وأعضاء التنفيذية، والأمناء العامين للفصائل، وشخصيات مستقلة، ويرأسها رئيس المنظمة محمود عباس, وذلك للعمل على إعادة بناء منظمة التحرير من بوابة مجلس وطني جديد ومنتخب حيثما أمكن, لكن الرئيس عباس لم يبادر إلى عقد أي اجتماع لهذه اللجنة .

وجاءت انتخابات المجلس التشريعي في الضفة والقطاع عام 2006 والتي حسمت لصالح حماس, ومن ثم قيام حماس بحسم الأمر عسكرياً لصالحها في القطاع في حزيران 2007، والذي اعتبرته رداً على انقلاب مبيت ضدها بالتنسيق وفق خطة دايتون, في حين وصفته حركة فتح بأنه انقلاب مبيت على اتقاق مكة .. جاء ذلك كله ليسهل مهمة القائمين على السلطة، والمنظمة باستخدام المنظمة لحسم الصراع مع حماس، وعزلها من جهة, وفي استخدامها كعنوان للتفاوض من أجل تقديم التنازلات .

   لقد تم تغييب منظمة التحرير الفلسطينية ردحاً طويلاً من الزمن, واهترأت مؤسساتها واتحاداتها, فالمجلس الوطني لم يعقد أي اجتماع له منذ دورة غزة عام 1996, رغم أن النظام الأساسي للمنظمة ينص على انعقاد المجلس الوطني دورياً كل عام ولفترة انتخابية مدتها ثلاث سنوات .. كما أن المجلس المركزي لم يعقد أي اجتماع له منذ اجتماع بغداد عام 2002 وحتى عام 2007 رغم ان النظام الأساسي ينص على عقد اجتماعات دورية له كل ثلاثة أشهر .

 

وقد تم استذكار منظمة التحرير ومجلسيها الوطني والمركزي بعد تغييبهما عدة سنوات, وذلك من أجل توظيف الشرعية الفلسطينية وفصائل المنظمة في الصراع ضد حماس, ولتقديم التنازلات في سياق التعامل مع خطة خارطة الطريق التي طرحت بعد العدوان على العراق عام 2003, وفي سياق التعامل مع تفاهمات أنابوليس عام 2007 التي جاءت لاستثمار الانقسام الجيوسياسي بين الضفة والقطاع.

    أما اللجنة التنفيذية, فبشهادة أحد أعضائها وهو الدكتور أسعد عبد الرحمن أمام اجتماع  لأعضاء في المجلس الوطني في عمان الصيف الماضي, فقد كانت تعقد اجتماعاتها بدون نصاب أحياناً وبدون محضر, وكان عدد المراقبين الذين يحضرون اجتماعاتها  يفوق أحياناً عدد الحضور من اللجنة التنفيذية, وتسند مهام أساسية لهم هي من صلب مهام أعضاء التنفيذية, في حين ان أمين سرها غير المنتخب كان يصدر مواقف وبيانات باسم اللجنة التنفيذية دون الرجوع إليها .

وكما أسلفت جاء فوز حماس في الانتخابات التشريعية وتشكيلها  الحكومة مرتين, مرة لوحدها, وأخرى حكومة وحدة وطنية, لتخلق حالة من الحراك السياسي بسبب المنافسة, خاصةً وأن أطرافاً في حماس كان لها مشروعها الخاص على صعيد المرجعية, ونجم عن هذا الحراك اتفاق فصائل منظمة التحرير كافة وحماس والشخصيات الوطنية المستقلة على برنامج حد أدنى وطني ( وثيقة الوفاق الوطني – الأسرى ) يعيد مع إعلان القاهرة في حال الالتزام بهما الألق ولو نسبياً لمنظمة التحرير, لكن التطورات الدموية اللاحقة في قطاع غزة بين أجهزة الأمن الفتحاوية وحماس, ثم  اتفاق المحاصصة في مكة, أكد أن الطرفين " اليمين المتنفذ في فتح والسلطة ..وحماس تعاملا مع الوثيقة بشكل استخدامي وتكتيكي , ولكسب الوقت استعداداً لجولة أخرى من الحسم العسكري   .

 

استحضار المنظمة من الثلاجة

وعندما حسمت حماس المعركة عسكرياً لصالحها في قطاع غزة, واستأثرت بالسلطة في القطاع ومارست أسلوب الهيمنة على نحو فاق سلوك اليمين الفلسطيني سابقاً  - مع الاخذ بعين الاعتبار أن بعض الفصائل انحازت للسلطة فوراً -  لجأت قيادة السلطة إلى استحضار منظمة التحرير من الثلاجة, ولتثير النخوة في فصائلها في مواجهة "انقلاب " حماس , حيث أن المجلس المركزي الذي كان مغيباً على مدار سنوات، دعي للاجتماع أكثر من مرة لمواجهة حماس  .

ودخلت الساحة الفلسطينية في دوامة الانقسام الجيوسياسي , في الوقت الذي واصل فيه العدو الصهيوني ارتكاب مجازره بحق شعبنا, وواصل سياساته في قضم الأرض، والاستيطان، وتهويد القدس، وبناء جدار الضم، والتهجير العنصري, وواصل التنصل من التزاماته لخطة خارطة الطريق بشأن وقف الاستيطان, في الوقت الذي التزمت به السلطة بتنفيذ ما هو مترتب عليها بشأن وقف العنف " المقاومة "  .

وأمام واقع الأزمة التي تعيشها السلطة الفلسطينية جرّاء عدم التزام العدو بأي من الاتفاقات، والتفاهمات الموقعة, وأمام أزمة حركة حماس في قطاع غزة جراء الحصار المفروض على القطاع براً وبحراً وجواً, جاء مسلسل الحوارات في القاهرة في مسعى من قبل كل من حماس والسلطة للتخلص من أزمتهما , فالحوار المستمر عبر جولات متعددة, لا يزال متعثراً رغم توافق كل الاطراف على إجراء انتخابات للمجلس الوطني وفق مبدا التمثيل النسبي, وعلى إجراء الانتخابات الرئاسية والتشرييعية بشكل متزامن في كانون اول 2009.

 ويعود هذا التعثر إلى الخلاف بشأن مبدأ النسبية في قانون الانتخابات للمجلس التشريعي ( أولاً)  حيث تصر حماس على حصر النسبية في 25 في المائة,  بينما تصر بقية الفصائل  على أن تكون القائمة النسبية بواقع 50 في المائة والدوائر 50 في المائة ( وثانياً ) بسبب المسألة الأمنية التي تصطدم بوجود دايتون ودوره في رام الله , ورفض حماس تشكيل قوة أمنية مشتركة في القطاع, حيث بات واضحاً أن موضوع إعادة بناء الأجهزة الأمنية على أسس وطنية مهنية الذي تم التوافق عليه مطروح بشكل  تكتيكي للاستهلاك من قبل كل من السلطة وحماس .

 ( وثالثاً )اصرار السلطة وفتح على ان تلتزم حماس في إطار حكومة الوحدة الوطنية بالتزامات المنظمة والاتفاقات التي وقعت عليها, بما فيها أوسلو والاعتراف بإسرائيل وخارطة الطريق ألخ ألخ , الأمر الذي ترفضه حماس، وفصائل أخرى على رأسها الجبهة الشعبية .

خلاصة الأمر إن منظمة التحرير جرى التراجع عن برنامجها وميثاقها منذ اتفاق أوسلو, وجرى تحجيم دورها تدريجياً منذ قيام السلطة الفلسطينية, ويجري العمل على استبدالها بالسلطة، لحصر القضية بفلسطينيي الضفة والقطاع في مرحلة ما بعد عرفات, وحل قضية الشتات واللاجئين عموماً, من خلال التوطين والتعويض وفقاً لوثيقة جنيف وغيرها من المشاريع .

كما أن الانقسام الجيوسياسي بين الضفة والقطاع زاد  ويزيد من قتامة وبؤس الوضع الفلسطيني, ويضرب الوحدة الوطنية في الصميم, والتي هي العامل الأساس، لاستعادة وحدة الشعب الفلسطيني في إطار منظمة التحرير الفلسطينية .

 

آفاق مسدودة

باختصار شديد الأفق لا يزال مسدوداً أمام المنظمة ومؤسساتها, وفتح الآفاق أمامها يعتمد بشكل رئيسي على انتخاب مجلس وطني جديد  تمثل فيه ألوان الطيف الوطني السياسي الفلسطيني كافة, مجلس يجري مراجعة شاملة للوضع الفلسطيني منذ أوسلو، وحتى اللحظة الراهنة, ويخرج ببرنامج وطني جديد  يعيد الاعتبار للمنظمة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني في الداخل،والشتات, ويعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني بثوابته المعروفة والمقاومة بكافة أشكالها وعلى رأسها الكفاح الانتفاضي والمسلح .

بقي أن نشير إلى أن الحالة الفلسطينية الراهنة ليست مقطوعة الجذور عن مرحلة ما قبل أوسلو عام ،1993 وأن مقدماتها لاحت مبكراً في برنامج النقاط العشر عام 1974, وفي مشروع فهد عام 1981 الذي تم تبنيه في قمة فاس بعد خروج منظمة التحرير من بيروت عام  1982, وفي اتفاق عمان  عام    1985 وفي الموافقة على قرار مجلس الامن رقم 242 في دورة المجلس الوطني  في الجزائرعام  1988, بحيث يمكن القول: إن برنامج النقاط العشر الذي نص على اقامة السلطة الوطنية ( المقاتلة !! ) على أي جزء من تراب الوطن, وما تلاه من اتفاقات ومشاريع كان هو الجسر المطلوب, للعبور إلى أوسلو وما تلاه من اتفاقات ومشاريع وتفاهمات  .

 

 



 

 

 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة

2003-2005م